"الشركات الديمقراطية"... وأسباب النجاح العشرة في مؤسسات الأعمال
على كل من يتطلع من قادة العمل والاستثمارات إلى المحافظة على مواهبه وتميز مكانته في حقل الاستثمار، بما يمكنه من إحراز المزيد من النجاح والتقدم في هذا المجال أن يصغى جيداً لما سيقال هنا، فيوماً إثر الآخر، تزداد مطالبة العاملين بأن يكون لهم دور أكبر في صنع السياسات والقرارات ذات الصلة بالإنتاج والاستثمار، ومن أجل تلبية هذه المطالب المتزايدة، فإنهم بحاجة إلى نمط جديد للقيادة والإدارة، يتيح لهم فرصة التعبير عن آرائهم في ذات الوقت الذي يسهمون فيه مساهمة ذات معنى وقيمة في العملية الإنتاجية برمتها.
والشاهد أن هذه المطالبة المتصاعدة من جانب العاملين بالمشاركة في صنع السياسات واتخاذ القرارات، إنما تحركها خمسة تيارات وتوجهات رئيسية، باتت تعيد تشكيل الاستثمار برمته في عالم اليوم، أولها التكنولوجيا والإنترنت وتسطيح العالم، فإذا كان موقع myspace. com قد أعطى كل واحد من مستخدميه شخصيته وملامحه، فقد جعل موقع "ويكيبيديا" من كل واحد من هؤلاء خبيراً، بينما حوَّلهم موقع "زمبيو دوت كوم" إلى مشاركين ومعلمين. وإلى ذلك فقد اكتسب كل واحد من المشاركين في صحافة الهواة الإلكترونية صوته واسمه وعنوانه. وثاني هذه التيارات تداعيات انهيار شركة "إنرون" العملاقة. والحقيقة أن العاملين قد ملوا وسئموا ذلك النمط الاستثماري الشره، الذي رمز إليه نشوء وانهيار شركات عملاقة مثل "إنرون" و"تايكو" و"جلوبان كروسنج" وغيرها. ثالثاً: الانتصار الذي حققته الديمقراطية السياسية؛ فمع اعتبار ثلثي العالم ديمقراطيين من الناحية السياسية، فلاشك أن تزداد حاجة الاستثمار أكثر من أي وقت مضى إلى نظام إداري تنفيذي، أكثر ملاءمة لنمط الحكم الديمقراطي.
رابع هذه التيارات تأثيرات النوع والجنس في أوساط العمالة الحديثة، وهي تأثيرات وتحولات تدفع العاملين دفعاً باتجاه أن يكون لهم صوت أعلى من صنع السياسات والقرارات، بما يحقق الاختلاف في بيئة العمل ونتائجه، ويجعل منه أكثر انفتاحاً وديمقراطية وأخذاً بعامل النوع، ثم خامس التيارات وآخرها، بحث العاملين أنفسهم عن معنى لما يؤدونه ويقومون به من نشاط مهني يومي. لذلك فليس مستغرباً أن تحدد المؤلفة "باتريشيا أبردين" في كتابها الأخير المعنون "التيارات الكبرى لعام 2010" العامل الروحي أو البحث عن معنى للعمل عموماً، باعتباره العامل الأول والأهم المحدد لتيار العمالة العام في قرننا الحالي. ومما قالته المؤلفة في هذا الصدد أن العاملين يريدون لجهدهم وعرقهم أن يكون له معنى وأثر، لا أن يكون فقط معبراً عن إحساسهم بالغاية والهدف، بل أن يكون معبراً عن شخصياتهم نفسها.
ولما كنتُ قد أمضيت العقد الماضي كله متنقلاً ومسافراً بين شتى أنحاء العالم، ومنهمكاً في دراسة ولقاء مديري الشركات والمؤسسات الاستثمارية الديمقراطية في كل من أميركا وأوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، بغية الوقوف بنفسي على اختلاف تجاربهم وممارساتهم الاستثمارية والإدارية عن الآخرين، وكيف يحققون كل ذاك النجاح الكبير، فقد توصلت إلى 10 ممارسات مشتركة، تقوم بها الشركات الديمقراطية دون استثناء.
أولاها: شفافيتها ومفارقتها التامة لعقلية "المجتمعات السرية" ثم إنها تتسم بالانفتاح والمصداقية والشفافية مع موظفيها وعامليها فيما يتعلق باستراتيجياتها وأجندتها وسياساتها لأوضاعها المالية.
وثانيتها: بعدها التام عن التحيز والمحسوبية، فهي تعامل جميع موظفيها على قدم المساواة وعلى أساس الكرامة الإنسانية، ولذلك فهي لا تميز بينهم كما لو كانوا "خياراً وفقوساً". أما ثالثة الممارسات، فهي اعتماد الشركات الديمقراطية على آلية الحوار. وخلافاً للصمت المالي العاجز الذي تتسم به غالبية الشركات التقليدية، تمثيل الشركات الديمقراطية عادة إلى إثارة أوسع حوار ومشاركة ممكنة لعامليها في حل المشكلات والمصاعب المالية التي تمر بها. رابعاً، يحسب للشركات الديمقراطية فهمها لمعنى الحياة، ولهذا السبب فإن في وسع أي من العاملين في هذه الشركات أن يحدثك عن أسباب وجود شركته وإلى أين تتجه، ولذلك فإن البوصلة الحقيقية لهؤلاء العاملين هي غاية الشركة وأهدافها ورؤيتها. خامساً: إدراك هذه الشركات لأهمية المحاسبة والمسؤولية عن أي خطأ أو قصور يقع داخلها، بيد أنها لا تحقق ذلك على نحو بوليسي ترهيبي، وإنها بوسائل ديمقراطية تحرر الآخرين من تحمل المسوؤلية عن تلك الأخطاء والعيوب في الأداء. سادساً: تعطي هذه الشركات أهمية للفرد لا تقل عن تلك الأهمية التي تعطيها للجماعة، ولهذا السبب فإنه لا ينظر إلى الأفراد فيها من منظور الأهداف الجماعية التي يحققونها للشركة ككل، وإنما من منظور مساهمتهم الفردية في نشاط الشركة وعملها، وبهذا المعنى فإن الفرد لم يعد مجرد ترس في الماكينة الكبيرة، مثلما هو عليه الحال في الشركات التقليدية الكلاسيكية. سابعاً: تستمد الشركات الديمقراطية نجاحها وازدهارها الاستثماريين من توفيرها عدة خيارات لموظفيها وعامليها. ثامناً: تعول هذه الشركات كثيراً على مبدأ الوحدة والتماسك، ولها منهما نصيب وحظ وافر.
ولذلك فهي تدرك جيداً أن الحرية إنما تقترن بالانضباط والمسؤولية. تاسعاً: البعد عن الغرور والرضا وإدامة النظر إلى المرآة مع إثارة السؤال دائماً: كيف لنا أن نكون أجمل وأرقى. عاشراً وأخيراً: عدم إيمانها بالتراثية التصاعدية، وقناعتها بأن السلطة تتجه في مسار ثنائي متبادل من قمة الهرم إلى قاعدته ومن قاعدته إلى قمته.
تريسى فينتون
مؤسسة ومديرة مؤسسة "وورلد بلو" المتخصصة في "الديمقراطية التنظيمية"
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"