أمة الإسلام، متدينة بفطرتها، متمسكة بكتابها، مناصرة لرسولها، معظمة لشعائر وأركان الإسلام، حريصة على هويتها، معتزة بقيم وتعاليم ومبادئ الإسلام، فلماذا هذا البون الشاسع بين سمو تعاليم وقيم الإسلام وسوء أوضاع المسلمين؟! للإجابة على هذا التساؤل، تنبغي مراجعة الخطاب الديني السائد بوجهيه، التقليدي والصحوي، باعتباره خطاباً فاعلاً رئيسياً في تشكيل وجدان المسلم وعقله، ومؤثراً في سلوكه ومشاعره. ومهما كانت نوعية ودرجة هذا الخطاب، فهو في النهاية وفي تصور عموم المسلمين، خطاب معبر عما يحبه ويرضاه ويريده الله ورسوله. لكن الخطاب الديني الراهن وسواء (عبر المنابر الدينية والإعلامية أو الشبكة الإلكترونية أو عبر المؤسسات التقليدية)-فتوى أو تصريحاً أو محاضرة أو درساً دينياً- أصبح في وضع (مأزوم) بعد أن تمكن خطاب التطرّف والعنف من خطف زمام التوجيه والتأثير في أفئدة وعقول الآلاف من شباب المسلمين، في ديار المسلمين وخارجها في أوروبا وآسيا واستراليا، ونجح في تجنيد بعضهم لتنفيذ مخططات الفكر العنيف. لم ينجح الخطاب الديني في حماية مجتمعاتنا من ظواهر التطرّف والغلو، بل إن موجة التشدد تصاعدت، ولم يفلح هذا الخطاب في وقاية شبابنا وفي تحصينهم ضد آفات وأمراض الفكر المتطرف التي تمكنت من نفوسهم وعقولهم. وإذ لم ينجح الخطاب الديني في حماية مجتمعاتنا وشبابنا من أمراض التطرف، فإن جانباً من هذا الخطاب أوجد مناخاً ملائماً وأرضية متعاطفة مع فكر "القاعدة" وربما معجبة بـ"زعيمها"! ففي استطلاع جماهيري عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، حظي زعيم "القاعدة" بنسبة 75% من التأييد! وذلك بالتماس المعاذير للعمل الإرهابي وربطه بمبررات سياسية واجتماعية واقتصادية، كالقول إن هؤلاء "فتية آمنوا بربهم"، لكن هزّهم ما وجدوه في مجتمعاتهم من مظالم سياسية وخروج على شرع الله وتبعية لدول كافرة... فقاموا لتصحيح تلك الأوضاع! أو من قبيل التبرع بالقول، إن هؤلاء الشباب ما نقموا على أميركا وأوروبا إلا من أجل كرامة الأمة! أو كما قال أحد أساتذة الشريعة في الكويت: مرحباً بالإرهاب لاسترداد كرامة الأمة! كما أن جانباً من الخطاب الديني المعتدل حرّض شبابنا لمجاهدة الأميركيين في العراق وأفغانستان وأباح قتال المدنيين الأميركيين في العراق، وكل مدني على علاقة بالمحتل الأميركي، بحجة أن "من تعاون مع المحتل أخذ حكمه"، بل وسوّغ "تفجير النفس" في العدو ولو كان مدنياً! ووصفه بأسمى صور "الجهاد"! وقد رأينا في استطلاع أجرته "الاتحاد" من قبل، أن 60% أيدوا قتل المدنيين في العراق! كما أظهر استطلاع آخر أجراه أحد المواقع الإلكترونية أن 52%، يؤيدون قطع الرؤوس كجزء من أعمال المقاومة في العراق! وأخيراً تابعنا تصريح "الضاري"، رئيس "هيئة علماء المسلمين"، حين أعلن أنه يؤيد "القاعدة" في عمليات القتل والاختطاف والتفجير في العراق، لمقاتلة قوات الاحتلال! إن أكبر إخفاق للخطاب الديني السائد، هو عجزه عن تصحيح صورة الإسلام السلبية لدى الغربيين وغيرهم، إذ فشل فشلاً ذريعاً في تقديم صورة حضارية عالمية للإسلام والمسلمين، فأصبح كل من ينتمي للإسلام محل ريبة حتى يثبت العكس، بل إن الخطاب الإسلامي المهاجر إلى ديار غير المسلمين، حمل معه أمراض وآفات المجتمع الإسلامي فزاد المسلمين رهقاً، وبدلاً من أن يكون عنصراً إيجابياً يسعد به المسلمون ويحسّن أوضاعهم، أصبح عنصراً سلبياً يشقى به المسلمون ويعوّق اندماجهم ويخرج من بين أظهرهم من يسيء لهم ولأوطانهم وللمسلمين عامة. قالت مديرة الاستخبارات البريطانية مؤخراً: إننا نراقب 1600 مشتبه بهم، مولودين في بريطانيا، لهم صلات بـ"القاعدة" وإن هناك 30 مؤامرة إرهابية يجري التخطيط لها. وإذ يعظم الخطاب الديني "الجهاد" بالمعنى الحربي، فإنه يتجاهل "الجهاد" بالمعنى التنموي والعمراني والإنتاجي والتعليمي... وهو "الجهاد الأكبر"، كما أنه إذ يركز على الوجه العقابي في الشريعة (الحدود) وينشغل بالفرعيات- اللحية والنقاب وتقصير الثوب... إلخ- فإنه يغفل عن الأولويات في تطبيق العدل الاجتماعي وحراسة مبادئ الإسلام العليا في الشورى والمساواة والحريات وقيم الإسلام السامية. لا يزال جانب كبير من الخطاب الديني، خطاباً ينتصر للمذهب والطائفة على حساب تعزيز القواسم المشتركة بين المذاهب والفرق الإسلامية، ورغم "قمة مكة" التي أقرّت "صحة إسلام" كافة المذاهب المؤمنة بأركان الإسلام، والتي جرّمت "الفتاوى التحريضية"، وقبلها "بيان عُمان" الذي حرّم التكفير، ومؤخراً "وثيقة مكة" التي حرّمت الاقتتال المذهبي... إلا أن الخطاب الديني لم يفعّل شيئاً من بنود تلك البيانات ولم يرتق إلى مستواها، بل إنه لا زال يغذي الصراعات وروح الكراهية! ولا يزال التكفير والتحريض ممارسين يلاحقان أصحاب الفكر الحر والمبدعين وأصحاب الاجتهادات الجديدة من الفقهاء (البنّا- الترابي... إلخ). إن جانباً من الخطاب الديني لايزال يضيق بجو الحريات ويعادي التحديث باعتباره (بدعة) ولا يطيق الفن والفنانين- عميد للشريعة قال إن فيلم "آلام المسيح" حرام وعلى من شاهده التوبة- ويحرّم الاحتفال بالمولد الشريف ويمنع تهنئة غير المسلم بأعياده ويستبيح الدعاء عليه ويحارب الصوفية ويعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة، وبقية الفرق المخالفة له إما ضالة أو مبتدعة... ومن ثم فإنه لايزال يتجاهل حكمة الخالق في التعددية الدينية والمذهبية والثقافية، وهو بذلك يساهم في إضفاء جو من الكآبة على المجتمع والتضييق على الناس وتنفيرهم. ولا يزال الخطاب الديني ينظر إلى المرأة نظرة ترى (أعلوية الرجل) على الأنثى، فهي دون الرجل في الحقوق والامتيازات بالرغم من اندماج المرأة في خطط التنمية ونجاحها الذي أهلها للمناصب القيادية! الآن، ما السبيل لإصلاح الخطاب الديني؟ أتصور أنه يكون بالانفتاح على الثقافة الإنسانية الواسعة، بتعظيم المشترك الإنساني، بإعلاء (قيمة) الإنسان، لكونه (إنساناً) كرّمه الخالق، قبل أن يكون (مسلماً) أو (غير مسلم)، رجلاً أو امرأة، سنياً أو شيعياً، سلفياً أو صوفياً. وباحتضان حقوق الإنسان وبالحرص على كرامته وبالدفاع عنه. وكذلك بالانفتاح على معطيات العصر المعرفية، وذلك لا يكون إلا بتجاوز عقدة الهواجس المرضية من عدائية العالم لنا، تلك الهواجس الحاكمة للخطاب الديني بدءاً بـ(فتنة) عبدالله بن سبأ، مروراً بـ"بروتوكولات حكماء صهيون"، وانتهاء بالمؤامرة الصليبية الصهيونية الحاقدة والمتمثلة بالخوف من "الغزو الفكري" و"العولمة" التي تريد اجتياحنا ومحو هويتنا. على الخطاب الديني أن يتحرر من مقولات الفقهاء القدامى، وعلى المنابر الدينية أن تكف عن الدعاء على الآخر. ولن يستطيع الخطاب الديني أن يستعيد عافيته إلا إذا صحح نظرته للآخر- محلياً وأجنبياً- وأقام علاقة صحية ناضجة معه وتجاوز مربع الشك والتوجس والوهم وسوء الظن، حتى لا يصبح شبابنا في حالة "توتر" مع العالم. ولكن كل ذلك مرهون بإعادة النظر والمراجعة والفكر النقدي الحر، في المنظومة المجتمعية برمتها؛ إعلاماً وثقافة وتعليماً وتنشئة وتشريعاً.