انتصار العقل وهزيمة الغطرسة
بالأمس القريب كان الرئيس بوش يلوّح بضرب سوريا وإيران، ويهدد تهديدات جادة وصارمة بضرب مناطق استراتيجية وحيوية لكلا البلدين، كان ذلك وهو ما زال غارقاً في مستقنع العراق وأفغانستان، وكذلك كانت الحروب الدامية بين شارون والفلسطينيين من عمليات دهم واغتيالات وتصفيات جسدية. كان العالم-وما زال- يعيش صخباً حربياً وغوغائية قتالية، ربما لم يشهدها التاريخ من قبل، وبالطبع كل هذا القتال والعنف والصراعات تحت مزاعم تغيير العالم-كل العالم- إلى الأفضل والأحسن، كدعوى الشرق الأوسط الجديد، كما شهدت تلك الحقبة المنصرمة. وما زالت وزيرة الخارجية الأميركية "كوندوليزا رايس" تقوم بجولات مكوكية بين الشرق والغرب لحشد أكبر قدر ممكن من القوى العالمية لمساندة أميركا في حربها من أجل "بترول العراق"، والتي اتخذت أكاذيب متنوعة ومتلونة حسب المواقف، منها البحث عن أسلحة الدمار الشامل، والعراق الديمقراطي سلسلة من الذرائع لا نهاية لها. وبالفعل حُشدت قوات من شتى أصقاع العالم واندلعت الحرب على العراق، وبعد تدمير بلاد الرافدين مادياً ومعنوياً، أدركت كثير من الدول المشاركة في الحرب على العراق مدى خطأ موقفها، فما كان من معظم هذه الدول إلا أن أعلنت انسحابها المبكر من العراق استدراكاً للموقف. لكن الرئيس بوش ما زال مستمراً في حربه معلناً العصيان ومخالفة كل من ينادي بالانسحاب من العراق، وذلك فقط، فيما يبدو انتصاراً لرأيه ولأمور أخرى لا نعلمها نحن.
وأخيراً، ولما أصغى الرئيس بوش لتقرير "بيكر-هاملتون" الذي وصف الواقع العراقي بما يستحق من الوصف وقدم المقترحات التي لا مناص ولا فرار منها للإدارة الأميركية للخروج من مستنقع العراق، عاد الرئيس بوش أدراجه ثانية للاستنجاد بسوريا وإيران، وبدأ يحاول أن يحكّم منطق العقل الناجح بالتأكيد لا منطق القوة الذي فشل فشلاً ذريعاً، لكن ما العوض عن الأرواح التي أزهقت والدماء التي سُفكت؟ وهي ما تزيد على ستمائة ألف روح من العراقيين فقط؟ وهل تضمّن التقرير الذي قدّم لبوش حلاً لها؟ أم أن هذه من الأمور التي استعصت على الحلول؟ وماذا لو أن الرئيس بوش وجه أسلحته صوب سوريا وإيران، فمن كان يسانده الآن للخروج من مستنقع العراق؟
ليكن هذا درساً يعيه العالم أجمع، وكل من يحاول أن يتخذ قراراً بالحرب مهما كان يملك من القوة، فالمفاوضات مهما طال أمدها وامتد وقتها، ومهما نتج عنها حتى ولو لم نصل إلى الحلول الكاملة، فأنصاف الحلول أرضى وأفضل كثيراً، من الدمار والهلاك الذي ينتج عن القوة والطيش والعناد، ثم في النهاية العقل والحكمة هما اللذان يخمدان نار الحروب، فلماذا لا نوفر على أنفسنا عناء الحروب وخرابها ونلجأ من البداية للحكمة والعقل؟
سليمان العايدي- أبوظبي