كما هو متوقع، شكلت قضية "جدار الفصل العنصري" – جدار سلب "نصف فلسطين" وفقا لتعبير دقيق للأستاذ محمود الريماوي – مسألة خلافية بين الدولة الصهيونية ... والمجتمع الدولي! فقد قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة بغالبية (90) دولة تحويل ملف ذلك الجدار الإسرائيلي إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي بناء على اقتراح قدمته الدول العربية. وقد عارضت القرار ثماني دول فقط، فيما امتنعت عن التصويت (74) دولة بينها دول الاتحاد الأوروبي. وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية ارئيل شارون قد أعلن أن دولته ستتعاون مع المحكمة الدولية لكنها ستدافع عن موقفها من خلال تأكيدها لقانونية الجدار! ولم تكتف الدولة العبرية بذلك! فقد هاجم مندوبها الى المنظمة الدولية، داني جيلرمان، الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان على خلفيه التقرير الذي قدمه حول الجدار الفاصل وعدم التزام "إسرائيل" بقرار الجمعية العامة. ولقد زعم جيلرمان أن تقرير عنان كان محفزا على عقد الجلسة الخاصة بمناقشة مسألة الجدار لأنه حسب رأيه "تجاهل مقاييس مهمة تتعلق بالجدار"! وفي تأويل غريب لنصوص القانون الدولي، حرص مكتب وزير الخارجية الصهيوني في تعقيبه على تقرير عنان الذي اعتبر ما تسميه إسرائيل بالسياج الأمني (الذي يتوغل أحياناً مسافة 22 كلم داخل أراضي الضفة الغربية) انتهاكا للقانون الدولي، حرص مكتب الوزير الصهيوني على الزعم بأن الدول المحتلة تملك الحق بما سمّاه "ترتيبات أمنية عسكرية" في المناطق العسكرية. وكان عنان قد انتقد الحكومة الإسرائيلية لمضيها قدما في إقامة الجدار وقال في مؤتمر صحفي "إن الحكمة التقليدية تقول إن السياج يساعد على علاقات جوار جيدة لكن ذلك إذا كنت تبني سياجاً على أرضك المملوكة لك"، وذلك في إشارة واضحة إلى أن الأرض التي تقوم "إسرائيل" ببناء الجدار عليها ليست مملوكة لها بالأصل. هذا على صعيد الخلاف الإسرائيلي مع الأمم المتحدة.
أما على صعيد خلافات الدولة الصهيونية مع دول العالم، فقد قال وزير الخارجية الاسرائيلي سيلفان شالوم إن العمل لن يتوقف في إقامة الجدار في الضفة الغربية. وجاء تصريح شالوم هذا في سياق رده على أقوال الرئيس الاميركي الذي وصف الجدار الذي تبنيه الحكومة الإسرائيلية بأنه "مشكلة وأن على إسرائيل عدم استباق نتائج محادثات السلام ببناء جدران وأسيجة". كذلك، دان الاتحاد الأوروبي بناء الجدار ودعا الحكومة الإسرائيلية إلى وقف بناء الجدار الفاصل الذي تبنيه في عمق الأراضي الفلسطينية لأن من شأنه "جعل أي حل للنزاع في الشرق الأوسط يقوم على وجود دولتين فلسطينية وإسرائيلية أمراً مستحيلاً، ولأنه سيؤثر على المفاوضات المقبلة ويستبق ترسيم الحدود بين دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية". أما البابا يوحنا بولس الثاني فقد قال إن "الشرق الأوسط بحاجه إلى مد جسور من التفاهم والمحبة بدلاً من بناء أسوار للعزل والتفرقة". وفي السياق ذاته، قال مبعوث البابا الكردينال روجر اشتيغاري إن "الجدار الذي تبنيه إسرائيل داخل الأراضي الفلسطينية يفصل الجيران بعضهم عن بعض والعائلات عن موارد رزقها. إنه وضع غير محتمل". أما روسيا فقد أعربت عن قلقها من مخططات بناء جدار الفصل الذي تسرع الحكومة الاسرائيلية في استكمال بنائه على حساب آلاف من الدونمات والأراضي الفلسطينية. وقد حذر نائب وزير الخارجية الروسي يوري فيدونوف من أن "هذه المخططات يمكن أن تؤدي إلى تعقيدات في تنفيذ خريطة الطريق للتسوية الشرق أوسطية على مراحل". كما انتقد وزيرا خارجية كل من أستراليا وأيرلندا (وغيرهما كثيرون) مخططات الدولة العبرية لبناء جدار الفصل العنصري هذا على الأراضي الفلسطينية.
وعلى صعيد العلاقة مع الحليف الاستراتيجي الأميركي، لم تعد الخلافات محصورة حول مسار الجدار في المقطع المحيط بمستوطنة "أرئيل" الكبيرة فحسب التي تصر الدولة العبرية على ضمها داخل الجدار، فيما تطالب واشنطن بأن يكون الجدار محاذياً لخط الهدنة الذي يفصل حدود عام 1948 عن الضفة الغربية. وقد أقر شالوم بعدم موافقة واشنطن على مسار الجدار وأضاف بأن الولايات المتحدة أوضحت أنه لا ينبغي له أن يشمل مستوطنة "أرئيل" لأن ذلك يسبق ترسيم الحدود بين الدولة الفلسطينية المستقبلية والدولة الإسرائيلية. وأعرب الرئيس بوش عن قلقه للجانب الاسرائيلي بشأن "الجدار الامني" وما يشكله ذلك من تعدّ صارخ على الأراضي الفلسطينية وتقسيمها لمجتمعات فلسطينية فضلا عن إعطائه انطباعاً غير إيجابي عن النوايا! ومن جهته، أعرب كولن باول وزير الخارجية الاميركية "أن الولايات المتحدة ستواصل الضغط على إسرائيل بشأن الجدار الأمني" مضيفا خلال الكلمة التي ألقاها في منتدى"نادي الصحافة" في واشنطن: "أن الولايات المتحدة ما زالت قلقة إزاء قضية الجدار الفاصل" ثم تابع قائلا: "كلنا نبني أسوارا عندما نشعر بأن هناك حاجه لحماية ممتلكاتنا، غير أننا نقوم بذلك دون المساس بممتلكات أو حقوق الآخرين"!! أما توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني و"الحليف الخاص" للولايات