ما بعد نظام العمل الجديد في أبوظبي
عندما قررت دائرة الخدمة المدنية في أبوظبي تمديد ساعات العمل في الدوائر المحلية، "اختارت" أن تكون مرنة في قرارها، فبعد أيام من صدور هذا القرار الذي يقضي بأن تكون ساعات العمل ثماني في اليوم -من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الرابعة عصراً- فإنها ارتأت أن تمنح القرار شيئاً من المرونة ليسهل على الموظفين الوضع الجديد، فجاء القرار التالي الذي أعطى الدوائر والقائمين عليها القرار في اختيار بداية ساعات العمل ونهايتها وصارت هناك ثلاثة خيارات، هي (من الساعة السابعة صباحا إلى الثالثة ظهراً أو من السابعة والنصف إلى الثالثة والنصف أو من الثامنة صباحاً إلى الرابعة عصراً)... هذه مرونة تحسب للدائرة، وتؤكد أنها تتفاعل بشكل مرن وسريع مع الواقع الوظيفي لموظفيها، وأنها مستعدة لاتخاذ أي قرار من شانه أن يبسط العمل ويخدم المراجعين، وفي نفس الوقت يريح الموظفين ويراعي ظروفهم.
وبشكل عام يبدو أن دائرة الخدمة المدنية تبلي بلاء حسناً وتجتهد في أن تؤدي دورها على أكمل وجه وبأعلى المعايير العالمية، وهذا واضح لكل متابع. فبعد أن كانت الدوائر الحكومية في أبوظبي تعمل كجزر منعزلة، صارت اليوم هناك جهة تجمعها وتشعِر المسؤولين في تلك الجهات بأن كل واحد منهم يكمل عمل الآخر وأن التعاون بينهم أمر لابد منه وأنهم جميعاً يعملون من أجل تحقيق هدف واحد ورؤية مشتركة لإمارة أبوظبي... وهذا العهد الجديد للخدمة المدنية في أبوظبي الذي بدأ عام 2005، عندما صدر قانون إنشاء دائرة للخدمة المدنية، كان من أهم أهدافه وضع وتطوير استراتيجيات الموارد البشرية في أبوظبي. ومن يتابع عمل الدائرة يلاحظ كيف أنها تعمل بشكل دؤوب من أجل رفع مستوى الكفاءة الإنتاجية بالجهات الحكومية. ومن خلال اعتماد اللامركزية في عملها، يبدو أنها تسعى لأن تمارس كاستشاري لحكومة إمارة أبوظبي في مجال التطوير التنظيمي، وهذا هو الوضع الطبيعي لها. ويؤكد ذلك ما قامت به الدائرة مؤخراً من منح صلاحيات ''لامركزية'' للدوائر والدواوين الحكومية في إمارة أبوظبي، ومنها صلاحية منح الإجازات، العلاوات بأنواعها، التدريب والسفر، بالإضافة إلى التعيينات والترقيات وتحليل وتقييم الوظائف بالدرجات الثالثة فما دون... إلى الدوائر المحلية، الأمر الذي طمأن القائمين على الموارد البشرية في الدوائر الحكومية، وأكد لهم بأن أموراً كثيرة تتغير وتتحسن.
بعد مرور عشرة أيام على تطبيق نظام ساعات العمل الجديد، اعتقد أنه من المهم التطرق إلى بعض الملاحظات البسيطة لتأثيرات الوضع الجديد على الموظفين. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لابد أن يكون هناك تفكير بإيجاد كافتيريات مناسبة في جميع الدوائر الحكومية، بحيث يحصل الموظف فيها على وجبة جيدة ونظيفة، فخلال ساعات العمل الطويلة، سيحتاج الموظف إلى وجبة ولو خفيفة يستطيع بعدها مواصلة عمله اليومي الطويل.. وهذا النظام معمول به في كل المؤسسات العالمية التي تعمل لساعات طويلة.. وإذا تعذر إيجاد كافتيريات جيدة، فلابد من التفكير في ساعة غداء تسمح للموظف الخروج من المكتب لتناول وجبة الغداء والعودة إلى العمل من جديد، دون أن يتأثر العمل. وفي هذه الحالة، لابد من وضع ضوابط صارمة، خصوصاً أننا نعرف أن هناك موظفين قد يخرجون من المكاتب ولا يعودون والأعذار كثيرة. كذلك التشديد على المهام الوظيفية لكل موظف، صار أمراً مهماً حتى لا يشعر أي منهم بحالات فراغ بسبب طول ساعات العمل ومحدودية المهام الموكلة إليه.
كذلك من المهم أن يراعي النظام الجديد الحالات الخاصة لموظفين يعانون من ظروف صحية خاصة أو بعض الأمراض المزمنة، وكذلك الأمهات اللواتي يكنّ في أشهر الحمل، أو في أشهر الرضاعة، فابتعاد الأم عن رضيعها لثماني ساعات في اليوم، ليس بالأمر البسيط، وهذا يجعل الدائرة تفكر في تقليص عدد ساعات عمل الأم المرضعة أو إعطائها ساعة رضاعة إضافية أو إيجاد حضانات في الدوائر الحكومية. ففضلاً عن حاجة الطفل إلى أمه، فالأم العاملة تكون في ساعات عملها الطويلة قلقة على طفلها، وهذا قد يؤدي ببعضهن إلى فقدان التركيز في العمل وبالتالي انتفاء الفائدة من تمديد ساعات العمل التي من أهدافها زيادة الإنتاجية وتحسين الأداء. هذه بعض الملاحظات، ولا استبعد أن القائمين على الخدمة المدنية يأخذونها بعين الاعتبار، لكننا نزيد في التأكيد عليها، ونضعها إلى جانب ملاحظاتهم.
موظفو الدوائر المحلية في أبوظبي، راضون اليوم عن الخدمة المدنية ودورها الجديد، والمسؤولون كذلك راضون... فزيادة الرواتب "المحلية" في شهر ابريل الماضي واعتماد النظام الشامل في الرواتب، خلق جواً من الرضا الوظيفي التام في الدوائر التي شملها النظام الجديد، بل وساهمت في زيادة رغبة الكوادر للعمل في الدوائر المحلية، بعد أن كادت تشهد هجرة جماعية للكفاءات.
من الواضح لكل من يتابع عمل الخدمة المدنية، أنها صارت من الدوائر المهمة في عملية التطوير التي تشهدها أبوظبي، وهي أداة رئيسية لتنفيذ استراتيجية أبوظبي العشرية. ومن الواضح أنها تسير حتى هذه الساعة وفق خطة واضحة الأهداف والمسار، وقد شعر الموظفون أن دائرة الخدمة المدنية منذ عامين تقريباً، صار لها دور حقيقي وفاعل ومتفاعل مع الدوائر والموظفين، وهذا هو المطلوب... واعتقد أن النجاح في إيجاد استراتيجيات واضحة للموارد البشرية في أبوظبي سيجعل الدائرة تحقق شيئاً مهماً وملموساً للجميع على المديين القريب والبعيد.
كل التغييرات التي تشهدها أبوظبي بدأت من دائرة الخدمة المدنية، أي أنها بدأت بالموظف أي بالإنسان، ومن ثم يأتي دور الدوائر الأخرى... وهذا هو الشيء الصحيح، وفي نفس الوقت هو الجزء الصعب. فالعنصر البشري في أية عملية تطوير يعتبر هو الأساس الذي يقوم عليه التغيير، فكل الخطط والبرامج والاستراتيجيات والأهداف والأحلام الكبيرة، سيكون من الصعب تنفيذها، ما لم يكن وراءها رجال يؤمنون بها ويخلصون في تنفيذها، لذا فالخدمة المدنية في أبوظبي تقوم اليوم بإعداد القيادات الوطنية المتميزة لوضعها في المكان المناسب... كما أنها تعقد الاتفاقيات للاستفادة من الخبرات الداخلية والخارجية من أجل تحقيق أفضل النتائج.
أخيراً وبما أن أبوظبي بدأت في تغيير ساعات العمل، وهناك إمارات أخرى بدأت تفكر وتدرس الأمر، فمن المهم أن يتم التفكير جدياً في تعديل بداية ونهاية ساعات النهار في الدولة بشكل عام، وهذا الأمر ليس مرتبطاً بأبوظبي فقط وإنما بالدولة ككل، وقد يحتاج إلى قرار من مجلس الوزراء. والتعديل المقترح يكمن في ضرورة أن يكون لدينا توقيتان للعمل في العام، توقيت صيفي وآخر شتوي، فهناك فرق بين ساعة شروق وغروب الشمس في الفصلين يمكن الاستفادة منه...
ففي هذا الوقت من العام تشرق الشمس عند الساعة الخامسة والنصف تقريباً، ويبدأ الناس أعمالهم الساعة الثامنة أي بعد ساعتين ونصف من الشروق، وهذا كثير جداً، فلو قدمنا عقارب ساعاتنا في الإمارات ساعة واحدة لصار الوقت بين شروق الشمس وبدء العمل ساعة ونصف الساعة فقط، وهذا مفيد. كذلك الأمر بالنسبة للشتاء، إذ يفترض أن نؤخر عقارب ساعاتنا ساعة واحدة إلى الخلف، ففي شهر يناير تشرق الشمس الساعة السابعة صباحاً وتغربُ في الساعة السادسة تقريباً، الأمر الذي يؤدي إلى خروج الموظفين إلى أعمالهم والطلبة إلى مدارسهم في الظلام. ولو تأخرت عقارب الساعة لصار الوضع أفضل وأكثر أماناً للجميع.