الاستجمام العربي العبثي
رحلات الاستجمام التي تقوم بها الجماعات العربية الميسورة طيلة العام، وعلى الأخص أثناء فصل الصيف، لم تعد شأناً فردياً وإنما أصبحت ظاهرة اجتماعية ثقافية تستحق الدراسة. إن ظاهرة الاستجمام، بمعنى حصول الإنسان على وقت أو فرصة فراغ وتحرر من مسؤوليات كسب العيش وتوفير ضروريات الحياة الأساسية، أصبحت ظاهرة عالمية إنسانية بعد أن كانت في الماضي مقتصرة على الأغنياء المترفين. إذن فالعرب يمارسون ما يفعله الغير. لكن المشكلة تكمن في فهم معنى الاستجمام والهدف من وراء الاستمتاع به. فإذا كانت فترات الاستجمام تتبع فترات العمل والوظيفة، وما يتبعها من مسؤوليات والتزامات وروتين ممل أحياناً، فإن الاستجمام لا يعني عكس العمل، أي "اللاعمل" والدخول في راحة جسدية وذهنية تامة، بل ويضيف إليه بعضهم التحرر من أية قيود أخلاقية. ذلك أن المعنى الراقي المتحضّر للاستجمام يعني القيام بأنشطة لا يستطيع الإنسان ممارستها بسهولة ويسر أثناء فترات العمل. قد تكون أنشطة رياضية أو فنية أو تأملية أو روحية أو ممارسة هواية. إنها أنشطة تسمو بالإنسان وتوّسع مداركه وتصقل إنسانيته. أي أن الاستجمام لا يعني همود وتجمد حيوية الحياة في الإنسان وتقليد بعض الحيوانات التي تتوقف عن أي نشاط حياتي أثناء فترة فصل الشتاء، كما تفعل الدّببة مثلاً.
في فصل الصيف تنزاح الألوف العربية، إن لم تكن الملايين، نحو أوروبا. فماذا ينشد هؤلاء من وراء رحلات أصبح القيام بها أمراً يتطلب الكثير من مذلة النفس أمام مطالب سفارات أوروبا القاسية وشبه التعجيزية والكثير من المال أمام الغلاء الفاحش المتصاعد في مدن أوروبا وأمام الإحساس الخفي الغامض الذي يشعر به كل عربي أو مسلم حال دخوله مطارات أوروبا من أنه إنسان غير مرغوب في تواجده داخل جنة حضارة الآخر؟ ما الذي ينشده العرب المرتحلون، مما يستحق كل هذا العناء والكبد؟ لا يمكن أن يكون الهدف هو المطاعم والأكلات الأوروبية والغربية، فكل ذلك متوفر، بل وأكثر، في أكثر مدن وعواصم المنطقة العربية. وينطبق الأمر على توفر الفنادق والبلاجات والشقق الفاخرة ودور السينما وعلب الليل وتوابعها. ولا توجد بضائع في أسواق أوروبا لا تتوفر في المنطقة العربية، فالعولمة الاقتصادية وحّدت العرض والطلب والنّهم في الاستهلاك. وحتى حرارة الجو التي يهرب منها أغلب أولئك أصبحت ظاهرة أوروبية، بل وخانقة في بعض الأحيان.
ومن جهة أخرى، فمن المؤكد أن الغالبية الساحقة من عرب الاستجمام لم يأتوا لممارسة نشاط فني أو حتى الاستمتاع به، إذ تخلو قاعات الأوبرا وصالات الموسيقي الكلاسيكية والمسارح الوطنية ودور عرض الفنون التشكيلية من الوجوه السمراء العربية. ونادراً ما يزور هؤلاء المتاحف ومعالم الآثار الكبرى، إذ يرى الإنسان جماعات سائحة من مختلف بقاع العالم، وهم يقفون كمستمعين للشروح بلغاتهم القومية، بينما لا أذكر قط أن رأيت شخصياً جماعة عربية تستمع لشرح بلغة الضاد. وينطبق الأمر على دور بيع الكتب وعلى المهرجانات الفنيّة الكبرى في مختلف مدن أوروبا.
هل يعقل إذن أن الاستجمام الذي ينشده غالبية العرب في أوروبا، هو المشي والتسوق في شارع أوكسفورد بلندن أو التسكّع ثم الجلوس في مقاهي شارع الشانزلزيه في باريس؟ في مثل هكذا أماكن ستجد العرب زرافات ووحدانا.
لا، لا يعقل ذلك. هناك أسباب أخرى؛ هناك الجنون السياسي والصراع العبثي الذي أحال الكثير من مدن العرب إلى أرض يباب يغيب فيها العمران. هناك الثقافة المنغلقة المتخلفة التي يأكلها ويشربها الإنسان العربي في مدرسته وجامعاته ومن خلال وسائل إعلامه. هناك غياب الحرية الفردية، وهذا التحريم العشوائي المتخلف بمقاييس الدين والدنيا.
ظاهرة الاستجمام البليد في الحياة العربية تضاف إلى كوارث العرب الحضارية التي يمكن علاجها في أرض العرب فقط.