الوباء القومي والنور الإنساني
كتبت بحثاً حول الذات والموضوع أقول فيه إنني لست "تحريرياً" ولا "إخوانياً"، لست سلفياً ولا خلفياً، لست فقهياً ولا صوفياً، لست حزبياً ولا طرقياً، لست رجعياً ولا تقدمياً، لست بعثياً ولا قومياً، لست ناصرياً ولا نصرانياً، لست عروبياً ولا كردياً ولا عجمياً، لست علمانياً ولا إسلامياً، لست شيعياً ولا سنياً... فأنا إنساني على دين إبراهيم حنيفاً مسلما ديناً قيماً وما كنت من المشركين.
فكان جواب كردي لم يعرف بنفسه التالي: "لماذا الكرد ملاحقون دائماً بمناسبة وبدونها، ليتك لم تذكر الكرد في مقالك يا أستاذ خالص. أنت لست عروبياً ولا كردياً. هلا تجرأت وقلت لست عربياً ولست كردياً! ولماذا تصنف الكرد مع الفاشست. أرى فيكم إنساناً طيبا للغاية. لكن يبدو أن اللاوعي والتربية البعثية يبقى أثرهما طويلاً رغم محاولات التخلص منهما ومحاربتهما، دفعت قلمك النبيل إلى ظلم الكرد رغم فكرك ودوافعك الإنسانية النبيلة التي لا أشك في صدقها وإخلاصها".
وفي كل مرة أكتب فيها للتحرر نحو الإنسانية وتنظيف الدماغ من الوباء القومي، يطالعني كردي يغني "بيجي بيجي كردستان". إنها حساسية مرضية مضرة حذرنا منها النبي بقوله إنها نتنة فدعوها.
وفي صالة القناطر في مونتريال وقف الشيوعي "رياض الترك"، يتبرأ من الشيوعية وأشياعها ويدعو إلى الحرية، فخرج كردي يزعق "بيجي بيجي كردستان". ولي صديق كردي كتب مقالة من التراث الكردي بعنوان "جرطك وفرطك"، خلاصتها أن ثعلبا ضحك على أسد فقال له لو ربطناك بحبل هل أنقذت نفسك، فانتفخ الأسد مزهواً وقال افعل من فورك! فربط الثعلب الأسد إلى جذع شجرة بإحكام فلما حاول رئيس الضواري الفكاك عجز وزأر بدون كبير فائدة! هنا جاءت الفرصة لجرطك لينتقم ويهوي على رأسه بهراوة؟ فلما انتفخ الغضنفر من الضرب توسل إلى فأر يدعى فرطك أن ينقذه، فقرض الحبال وهرب الثعلب وهرب الفأر وفي الأخير هرب الأسد... فغابة من هذا النوع يربط فيها الأمور جرطك، ويفكها فرطك، لا تعاش وجنة من هذا الضرب لاتداس...
وأراد الأخ الكردي بهذه القصة أن ينقل مأساة الشعب الكردي عبر قصص من تراثه ويحق له ذلك. لكن في مقالته زعم أن حريق عامودة للأطفال الأبرياء (وقع في سينما في مدينة صغيرة في الشمال الشرقي من سوريا عام 1958) كان خلفه "القوميون العروبيون"! والتعاسة للاثنين معاً، حين يحترق أطفال أبرياء.
ويجب أن نقول، وفقاً لهذا المنطق إن حرائق غابات اليونان خلفها قوميون، وانهيار سد زيزون خلفه مؤامرة قومية، وطوفان نوح جاء لخلاص الأكراد!
إن المسألة باختصار هي العدالة... والأكراد والعرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، يهربون من العراق وكردستان، ومن تركيا وخوزستان، من سوريا وتركمانستان، من فلسطين وعربستان... إلى كندا، وبلاد الفرنسيس ونيذرلاند وأرض الجرمان... بحثاً عن العدالة.
هبْ أنني كتبت عربياً، وليس عروبيا، هل كنتُ ناجياً من الملامة من حساسية مرضية من هذا النوع أشد من البنسلين القاتل؟ يا قوم افتحوا عيونكم وتخلصوا من هذا العفن! إنها نتنة دعوها وتخلصوا منها وادعوا إلى الإنسانية.
ثم وأنا الذي سجنت في أقبية مخابرات "البعث" أربع مرات، وطحنوا عظامي وأسناني، خرجت بقلمك الوهاج تزعم أن في دمي كريات حمر "بعثية"؟! ألا ترى أنك مرضت من مرضهم كما مرض الصهاينة من النازية والفاشية، حيث ينتقل عدوى الجاني إلى الضحية؟
في كندا جرت العادة أنه إذا قطع المواطن الأسود الطريق خطأ أو فعل مخالفة، أن يتهم الجميع بأنه مظلوم مضطهد محارب، وأن الشرطة الكندية ضد السود وأن القانون الكندي صنع ضد السود؟
والقرآن يعلمنا دوماً أن نردد أن أعظم ظلم يمارسه الإنسان هو ضد نفسه، ولا أحد له سلطان عليه، ولو كان الشيطان الرجيم...
"وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون".
وربما سيكرر الأكراد أن النمل الأسود والأبيض والجراد والقمل والضفادع، تضطهدهم بدون أمل في الخلاص من حلقة اليزيدي...
فهل تعرفون ما حلقة اليزيدي؟
إذا رسمت حلقة على الأرض حول يزيدي من عبدة الشيطان، انحبس داخلها، حتى يأتي من يفك له الحلقة؛ فيخط خطاً أنه فتحها؛ فيخرج اليزيدي... لكن ألسنا كلنا نقع في دوائر من هذا النوع، اعترفنا أو لم نعترف؟!