على رغم أن العالم قد رحب باستقالة الرئيس "برويز مشرف" من منصبه كقائد للجيش، وإعلانه أن حكم الطوارئ سينتهي في السادس عشر من ديسمبر، إلا أن هناك سؤالا غاية في الأهمية لا يزال مطروحا: هل تتجه باكستان حقا نحو مستقبل ديمقراطي؟ السبب في طرح السؤال، يرجع إلى أنه على الرغم من أن الانتخابات البرلمانية ستعقد كما هو مقرر في الثامن من شهر يناير المقبل، إلا أنه توجد من الآن بعض الإشارات المقلقة بشأن احتمال وقوع عمليات تلاعب في تلك الانتخابات خصوصا، منها على سبيل المثال أن اللجنة الانتخابية المشرفة عليها، معروف عنها التحيز، وعدم الاهتمام باتخاذ أي إجراء بخصوص الشكاوى التي تصلها عن حالات التلاعب. في رأيي أنه إذا لم تعقد انتخابات موثوق بها في باكستان، فإن ذلك سيترتب عليه عواقب وخيمة سواء لباكستان، أو لباقي المجتمع العالمي، منها أن التطرف سيستمر في النمو، ويعرض الجميع بلا استثناء للخطر. ولذا فالعالم بأسره مطالب بالعمل من أجل الحيلولة دون ذلك؛ فقد أظهرت فترة ولاية مشرف الأخيرة في الحكم، أن الديكتاتورية هي التي تؤجج التطرف. وقد بدا ذلك واضحا من خلال حقيقة أن المناطق القبلية في باكستان قد تحولت إلى ملاذات للمليشيات التي تشن هجمات ضد قوات الناتو في أفغانستان، وأن الافتقار إلى الحكم الرشيد قد أدى إلى امتداد ذلك التطرف إلى المناطق المستقرة في البلاد. الديمقراطية هي التي توفر أفضل أمل ممكن لاحتواء التطرف، بيد أنه يجب أن يكون معروفا أن تحقيقها يتطلب أن تشرف لجنة انتخابية مستقلة على الانتخابات، والحيلولة دون حدوث تزوير في عملية عد الأصوات. ولكن هذا لم يحدث للأسف؛ فعندما طُلب من هذه اللجنة، إعداد تقرير عن الممارسات الخاطئة التي تتم في الانتخابات الباكستانية، فإنها لم تقم بجهود محسوسة من أجل ضمان عدم تكرار تلك الممارسات. والذي حدث بالفعل هو أنه قد تم وضع مسؤولين ذوي انتماءات سياسية معينة، لتولي مسؤولية الإشراف على أجهزة الاستخبارات المدنية، وشغل مناصب الدولة العليا، بغرض إتاحة الفرصة للمزيد من التلاعب في الانتخابات. هذه الشكوى "يتم حاليا النظر فيها" بحسب التعبير الذي دأب المسؤولون دائما على استخدامه من أجل كسب الوقت، ومن أجل الالتفاف على القيام بأي إجراء حقيقي لمعالجة الشكاوى؛ وعندما تصل كافة التقارير المتعلقة بهذه الشكاوى إلى اللجنة المسؤولة، فإن الوقت سيكون متأخرا، وتكون الانتخابات قد انتهت بالفعل. بالإضافة لذلك كله، لازالت وسائل الإعلام الباكستانية مكممة، ولا يزال زعماء المعارضة وراء القضبان، بالاضافة إلى كم الغموض حول المسائل الإجرائية المتعلقة بالقوائم والمراكز الانتخابية. قصارى القول، إنه قد جرى الإعداد للانتخابات المقبلة بحيث تشكل استمرارا لنمط الانتخابات المعروف في باكستان، وبالتالي استمرارا لنمط الحكم السابق، الذي لم ينجح في الحيلولة دون انتشار الجماعات المسلحة والتطرف والإرهاب في بلدنا، الذي تحول إلى ساحة مفتوحة أمام ذلك الإرهاب، بدليل أنه عندما تم اقتفاء أثر الهجمات الإرهابية الرئيسية التي تمت في ألمانيا الصيف الماضي، فإنه تبين أنه يمتد إلى المنطقة الشرقية في باكستان. ما لم يحدث تغيير في الوضع القائم حاليا في باكستان فإن الماضي سيكرر نفسه؛ ولكن يجب أن يكون معلوما أيضا أن التغيير المطلوب يمكن أن يتحقق في حالة واحدة فقط، عندما يضع المجتمع الدولي ثقله بأكمله خلف الانتخابات، ويضع في نفس الوقت ثقته الكاملة وإيمانه بشعب باكستان. فقد قام الرئيس "مشرف" بإرسال وفد باكستاني إلى الولايات المتحدة الأسبوع الماضي للحديث مع إدارة بوش عن الوضع الحالي في باكستان، وهو -على ما يبدو- يريد من أميركا والعالم أن يعتقدا أن الانتخابات القادمة، حتى وإن لم تكن مثالية تماما إلا أنها ستكون جيدة بما يكفي لباكستان، خصوصا إذا ما تم أخذ أوضاعها الحالية فيها في الاعتبار. ولكن الرئيس ينسى بذلك أن الأوضاع الحالية هي من صنع نظامه، وأن المسؤولين عنها هم الذين يجب أن يكون أداؤهم بشأن معالجتها أفضل بكثير مما هو حاليا. كما يجب على المجتمع الدولي أن يرسل رسالة واضحة في هذا الصدد، هو أنه لن يكون مشاركا في التستر على ما سيحدث في الانتخابات القادمة، وعليه أيضا ألا ينتظر ليرى ما إذا كانت الانتخابات التي ستجري في الثامن من يناير القادم ستكون نزيهة وحرة أم لا، وإنما يجب عليه بدلا من ذلك أن يصر على ضرورة توافر سلسلة من المعايير التي يجب استيفاؤها، حتى يعترف بأن تلك الانتخابات حرة ونزيهة. أما إذا ما تم تجاهل تلك المعايير، فإن المجتمع الدولي يجب أن يكون مستعدا في هذه الحالة للتعبير عن عدم رضاه عن النظام في باكستان، على أن يكون ذلك بشكل محسوس وواضح. إن الانتخابات المعيبة، سوف تؤدي إلى مفاقمة حالة اللاستقرار السائدة في الوقت الراهن في باكستان، لأن المجتمع المدني والأحزاب السياسية في البلاد لن تقف ساكنة أمام أي تزوير؛ علاوة على ذلك، فإن فرض قيود دولية بعد أن تنتهي الانتخابات بالفعل سيكون أمرا عقيما، حيث لن يترتب عليه سوى تفاقم المشاعر المعادية لأميركا. إن أميركا هي أقوى ديمقراطية في العالم، ووقوفها إلى جانب الديمقراطية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ باكستان، سوف يعطي هذا البلد المسلح نوويا، الفرصة لعكس تيار التطرف الذي يهدد في الوقت الراهن ليس باكستان فقط، وإنما المجتمع الدولي بأسره أيضا. ــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"