لطالما تعرض علم الاقتصاد للانتقاد بسبب مردوده البائس في الواقع العملي، ذلك المردود الذي تم توثيقه وإقامة الدليل عليه ليس فقط من خلال الوثائق والمستندات وإنما من خلال آراء الساسة والمفكرين، منهم على سبيل المثال "جورج برناردشو" الذي قال ذات مرة: "لو اجتمع جميع الاقتصاديين في العالم فلن يتمكنوا من التوصل إلى استنتاج واحد متفق عليه". ومنهم أيضاً هاري ترومان الذي عبر ذات مرة عن أمنيته "في رؤية اقتصادي واحد قادر على أن يطبق ما يقوله نظرياً في الواقع العملي ويحقق فيه نجاحاً". في كتاب "علم اقتصاد واحد، وصفات عديدة: العولمة والمؤسسات والنمو الاقتصادي"، يدعو المؤلف "داني رودريك" أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة هارفارد القراء إلى مشاركته في تجربة فكرية، يتخيلون فيها أن كائناً من كوكب المريخ قد زار الأرض، وطُلب منه إجراء مقارنة بين السجل التنموي للبلدان المختلفة، وبين النصائح الاقتصادية المتخصصة التي قُدمت لها من قبل المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية المتخصصة خلال العقود القليلة الماضية، فإن ذلك الزائر سيجد أن معظم البلدان التي التزمت بالنصائح الاقتصادية التي قدمت لها من قبل تلك المؤسسات، قد منيت بفشل ذريع في بعض الأحيان -مثل دول أميركا اللاتينية- وأن الدول التي غضت الطرف عن تلك النصائح واختارت طريقاً نابعاً من إرادتها الذاتية ومتوافقاً مع ظروفها المحلية، قد حققت نجاحاً كما في بعض الدول في جنوب شرق آسيا التي نجحت في إنجاز تجارب تنموية براقة على الرغم من تعرضها إلى أزمات مالية. الاستنتاج المنطقي الذي سيخلص إليه هذا الزائر القادم من المريخ هو أن النصائح التي قدمت لتلك الدول كانت خاطئة حتماً، وهو الاستنتاج الذي سيجد من يعارضه بالطبع بين مؤيدي العولمة. في هذا الكتاب يطرح المؤلف- وهو من المساهمين الأساسيين في النقاش الدائر حول الموضوع الذي ما يزال محتدماً في العديد من الدوائر الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة الأميركية، ومن خلال مجموعة من الدراسات التي تغطي تاريخ التنمية الاقتصادية والتحديات التي تمثلها لها العولمة- وجهة نظره حول الموضوع، وهي أنه مع اعترافه بأن التنمية الاقتصادية هي السبيل الوحيد لمحاربة الفقر، كما يتبدى بشكل واضح في الصين والهند، إلا أن هذا الإنجاز التنموي لم يتحقق بسبب نصائح أو وصفات خبراء الاقتصاد أو على الأقل أن تلك النصائح أو الوصفات لم تكن سوى سبب من ضمن أسباب عديدة لتحقيق ذلك الإنجاز، ولم تكن هي السبب الوحيد. لشرح وجهة نظره يتطرق الكاتب إلى بعض الوصفات الاقتصادية التي جرى تقديمها للدول المختلفة، ومنها ما اصطلح على تعريفه باسم "إجماع واشنطن" الذي يقوم على مجموعة من الأسس الاقتصادية التقليدية مثل حرية الأسواق، وتحرير التجارة، وتخفيف القيود التنظيمية، والخصخصة، والإصلاح الضريبي، وترشيد الإنفاق العام، وتحرير أسعار الفائدة، وحقوق الملكية الفكرية، والقدرة على الوفاء بالديون، وضمانات الاستثمارات. وهذه الأسس -كما يرى المؤلف- هي ذاتها التي تم الاستناد إليها في طائفة من وصفات السياسة الاقتصادية الأخرى، وهو ما يمكن أن يعزى إليه فشل ذلك الزائر من المريخ، وربما غيره من القائمين بالدراسات التجريبية، في إيجاد صلة بين التوصيات السياسية التي يقدمها "إجماع واشنطن" وبين النجاح في تحقيق التنمية الاقتصادية. ويورد المؤلف سبباً آخر لعدم إمكانية الاعتماد دوماً على النظريات الاقتصادية المعيارية في التطبيق، وهو أن إطلاق شرارة النمو الاقتصادي في كثير من الحالات، يكون أكثر يسراً بكثير من المحافظة على النمو ذاته لفترات طويلة، وأن هناك دولاً قد استخدمت سياسات مبتكرة، لا تعتمد على تلك النظريات في المحافظة على استمرار النمو الاقتصادي، منها تايوان -على سبيل المثال- التي تمكنت من ذلك من خلال تقديم دعم كبير للصادرات، ومنها سنغافورة التي نجحت في ذلك من خلال الاعتماد على تقديم الحوافز الضريبية الهادفة لجذب الاستثمارات الأجنبية، ومنها بتسوانا التي استخدمت أسلوب الإنفاق العام المرتفع، وتشيلي التي استخدمت أسلوب السيطرة على صناعة تصدير النحاس فيها، وغير تلك من الدول. أما الحفاظ على استمرار النمو الاقتصادي، وهو الموضوع الذي يحتل الجزء الثاني من الكتاب، فيتطلب -كما يرى المؤلف- تطبيق "إصلاح مؤسسي سليم"، وهو المصطلح الرائج في الوقت الراهن في عالم اقتصاديات النمو. وهذا المصطلح يحيل إلى مجموعة من المؤسسات، التي تعتمد في عملها على عدد من الأسس مثل رسم سياسات مالية واضحة وسليمة، والحوكمة، والالتزام بمعايير العمل، وتنظيم العلاقة بين الدولة وبين قطاع الأعمال، ومقاومة الفساد، وإنشاء شبكات للضمان الاجتماعي، والإدارة المالية والنقدية السليمة. ويعترف المؤلف بأنه وعلى رغم صحة وسلامة التشخيص الأساسي لتلك المؤسسات، إلا أن انعدام المرونة في تطبيق ذلك التشخيص، والإخفاق في أخذ الاعتبارات والأعراف المحلية في الاعتبار، قد أثر كثيراً بالسلب على مبدأ الإصلاح المؤسسي، ومن هذه الاعتبارات في نظره الدور الذي تلعبه الجغرافيا والماضي الاستعماري للدول المختلفة في إنجاز هذا الإصلاح، وكذلك طبيعة نظام الحكم فيها وما إذا كان ديمقراطياً أم لا. في الفصل الأخير، يتطرق المؤلف إلى العولمة، ويقول إن هناك الكثير من الجدل الذي أحاط بتلك الظاهرة وخصوصاً ما يقال عن أنها كي تنجح فإن تطبيقها لابد أن يتسم بالكفاءة، والعدالة، والشرعية في نفس الوقت، وهو ما لم يكن ممكناً تحقيقه في الواقع العملي في جميع الحالات. ففي رأيه أنه لا يمكن في وقت واحد الإبقاء على نظام الدولة- الأمة، وترويج التكامل الاقتصادي الدولي وتعميق العملية الديمقراطية. ويقدم الكاتب مقاربة مبتكرة للتعامل مع العولمة تعتمد على المحافظة على المنافع الأساسية لها، وترويض تأثيراتها الخانقة على السياسات الوطنية. وهو يرى في نهاية الكتاب أن المحصلة الأكثر ترجيحاً لظاهرة العولمة هي اختفاء نظام الدولة- الأمة في المدى الطويل، ونشوء نوع من "الفيدرالية العالمية" التي ستكون قادرة على خلق مؤسسات عابرة للدول، ستكون مطلوبة للتعامل معها. سعيد كامل ـــــــــــــــ الكتاب: "علم اقتصاد واحد، وصفات عديدة: العولمة والمؤسسات والنمو الاقتصادي" المؤلف: داني رودريك الناشر: برينستون يونيفرستي برس تاريخ النشر: 2008