البقر الدنمركي ينطق كفراً
من المؤكد أن جميع القراء قد استمتعوا بلحم البقر الدنمركي، ومنتجاته المتنوعة، إلا أن أحداً لم يشاهد "بقرة دنمركية" تكتب أو ترسم أو تتكلم، لسبب بسيط: أنها فاقدة العقل والفكر، ولا تملك إلا حوافرها تضرب بها في الأرض. إلا أن الغريب في الأمر أن هذا حدث، وطالعتنا الصحف الدنمركية برسوم ومقالات تؤكد ذلك، لأن بقر الدنمرك وحدهم هم الذين لا يعرفون قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حين أن باقي مخلوقات الله من جماد وحيوان قد أحبته لأنه كان الهادي البشير الذي أصلح العلاقة بين الأرض والسماء.
رغم ثورة الغضب التي أصابتني بعد مشاهدتي للرسومات المسيئة لرسول جاء رحمة للعالمين، ثم تكرار إعادة نشرها دون أدنى اعتبار للخطأ الجسيم الذي ارتكبه البقر الدنمركي في حق نحو مليار من المسلمين، فقد حاولت إدراك مغزى ما حدث، والهدف منه، والتوقيت، والتداعيات، فربما نتوصل إلى الأسباب التي جعلت بقر الدنمرك ينطق كفراً، قبل أن تنتشر هذه العدوى وتصيب حشرات الدنمرك، أو تنتقل إلى حيوانات أخرى تصبح مثل وباء جنون البقر البريطاني أو أنفلونزا الطيور أو خرف الماعز.
إن توصيف ما حدث لا يخرج عن كونه انحطاطاً أخلاقياً لا يرقى بصاحبه إلى مستوى البشر، وهو لا يملك من المعرفة مثقال حبة من خردل، فالذي نبشه بيديه وأسماه صورة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، لا يدري عنه شيئاً، سواء حول هيئته أو صورته أو أخلاقه، بل سولت له نفسه المريضة أن يطلب الشهرة على حساب سيد الخلق، فالذين يعشقون الشهرة دون موهبة أو إنجاز إنساني يبيعون أنفسهم للشيطان.
إن الفتق التاريخي بين الإسلام وأعدائه يزداد اتساعاً مع الوقت، لا تعالجه حوارات أو محاورات، طالما ظل أعداء الإسلام متربصين به وبأتباعه، وترسِّخ ذلك تصرفاتٌ منحرفةٌ وحاقدةٌ وغير عقلانية تصدر في مجتمعات تتذرع بحرية التعبير وديمقراطية التعامل، رغم أن الإساءة ومهاجمة الأديان السماوية وحملات التشويه المنحرفة للحضارة الإسلامية ومنجزاتها ومرتكزاتها، لا تندرج تحت هذه الحجج الواهية.
إن ما قامت به بعض الصحف الدنمركية الصفراء، وساندتها فيه عدد من الدول والمؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة في الغرب خلال السنوات الماضية، منذ عام 2005 وحتى الآن، يتم بشكل منهجي مقصود، وفي ظل شعارات خاوية وسلوكيات انتهازية ونفوس وضيعة، تحمل في طياتها أهدافاً عدة، من أهمها:
* السعي إلى الظهور الإعلامي، والانتفاع الشخصي، على حساب كل القيم الدينية والحضارية والأخلاقية والإنسانية والقانونية.
* تأكيد التعصب الديني الغربي ضد الإسلام والمسلمين، وتشجيع الفتن بين الأديان السماوية، والحث على التقليل من شأن الإسلام والاستهانة بالمسلمين، مما يزيد من التطرف والاضطهاد الغربي تجاه الشعوب الإسلامية.
* اختبار مدى صلابة المسلمين وتمسكهم بعقيدتهم وإيمانهم برسولهم ورسالته السامية، وإثارتهم لدفعهم إلى تصرفات حمقاء ربما تثبت للغرب مدى تطرفهم وعنفهم، ومن ثم صحة وسمهم بالإرهاب.
* إشاعة الفرقة بين المسلمين الذين ينقسمون إلى فرقتين، إحداهما إيجابية تسرع بالدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم بكل الوسائل الممكنة، والأخرى سلبية ستقف عند حدود الاستنكار والشجب أو ربما الصمت.
* توريط الحكومات العربية والإسلامية في مشكلات وأزمات داخلية مع شعوبها الغيورة على نبيها، عندما تواجه ثورة غضب الجماهير التي تطالب باتخاذ مواقف متشددة من الدولة الدنمركية.
* إيجاد المبرر لتطرف الغرب واضطهاده للمسلمين، وحث المجتمعات الغربية على الوقوف ضد الأقليات المسلمة المهاجرة.
* تبرير أفعال الصهيونية ومجازرها ضد الفلسطينيين في غزة بزعامة الحركات الإسلامية، كـ"حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"كتائب القسام".
* تشجيع وسائل الإعلام الأخرى على الإساءة للإسلام، والنيل من هيبته، ومن رموزه الدينية، والحد من انتشاره، خاصة في الدول الأوروبية.
* تعميم ثقافة الإرهاب ونشر العنف والكراهية ورصد ردود الأفعال غير المسؤولة وجعلها وصمة للمسلمين، مما يؤجج الصراع ضدهم.
* الاستهانة بالمنظمات والجمعيات الإسلامية والعربية في الدنمرك التي نددت وشجبت من قبل ما نشرته صحيفة "يلاندس بوستن" الدنمركية التي تصدر في العاصمة كوبنهاجن.
وإذا كان السؤال الملح هو: لماذا الآن؟ بمعنى ظروف التوقيت الذي يتم وفق منهجية إعلامية واضحة، فإن الإجابة الواضحة والمباشرة نجدها متوافرة في الأحداث الدامية في العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال، فدماء المسلمين وأعراضهم مستباحة، والمذابح مستمرة، ما بين رحى حرب أهلية، وصراع داخلي، ونشاط إرهابي، واحتلال غربي، دون أية محاولات أو جهود دولية للتوصل إلى حل مناسب يوقف هذه المذابح، في ظل صعوبة المساس باليهود أو الصهيونية أو إسرائيل، فهم خطوط حمراء تحرسها لعنة السامية لو تجرأ البقر الدنمركي على الإساءة إليهم.
وأيضاً في حسابات الوقت والظروف، نجد أن البقر الدنمركي أراد أن يثبت وجوده وبأن له تأثيراً في الأحداث الجارية حول العالم، فوجه "نهيقه" المسمم إلى قلب وضمير المسلمين جميعاً، متجاوزاً كل الحدود، ثم أعاد الكرة، ربما لأن سابقتها لم تحقق الأهداف المرجوة. ومن المؤكد أن ذلك سيستمر طالما ظل مثل هؤلاء البقر على قيد الحياة.
كيف يقبل العالم الحر تقديس حرية التعبير على حساب المعتقدات الدينية؟ إن هذا مقبول فقط ضد الإسلام والمسلمين، وهذا يقودنا إلى إدراك معنى الشعارات التي يحملها الغرب لدولنا حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية المرأة... فهي لا تخرج عن كونها شعارات تظلل الأطماع الاستعمارية والأحقاد النفسية وتبرر الإساءة والتشويه للمسلمين وحدهم، فليس ببعيد ما فعلوه بالمفكر الفرنسي روجيه جارودي عندما نشر كتابه "الأساطير المؤسسة للدولة الإسرائيلية" فحاكموه وصادروا كتابه بتهمة "معاداة السامية"، ولم يجرؤ أحد على رفع شعار حرية التعبير، وكذلك عندما قامت عناصر من حركة "طالبان" في أفغانستان بتدمير أجزاء من تمثال "بوذا"، فتحرك الغرب ضد من وصفهم بمحاربي الأديان.
إن ما حدث نتاج طبيعي لتراكم فيروسات ثقافية مشوهة عن المسلمين، وفهم شخصي مغلوط عن الدين الإسلامي، وجهل تام بحضارته وثقافته لدى بعض المرضى النفسيين والجماعات الفكرية الانتهازية، وتخوف كامن في نفوسهم الجزعة من اختراق تعاليم الإسلام للجاهلية الغربية، واستهداف مصالحهم الشخصية.
لقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى الإيمان بالله وكتبه ورسله جميعاً، ولا يكتمل إيمان المسلم إلا باحترامه وإيمانه الكامل بالرسل والأنبياء كافة، وهذا ما أكده القرآن الكريم في سورة البقرة الآية (285)؛ بسم الله الرحمن الرحيم "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" صدق الله العظيم.
لقد بات من الضروري وجود حملة إعلامية إسلامية عالمية مضادة لتوضيح الإسلام الحقيقي والتعريف بشخصية رسولنا العظيم وتعاليمه النبيلة وخُلقِه الكريم، يتحمل أعباءها العلماء والمفكرون والمثقفون، دون الانحطاط إلى درك التصرفات الحيوانية، وتأكيد احترام الإسلام للأديان الأخرى ورموزها المقدسة، ليكون هناك فرق بين أصحاب الحضارة والمتمسكين بتعاليم دينهم، وبين من يتسم بالانحطاط والدونية.
ربما نكون قد أسأنا إلى البقر الدنمركي عندما شبهنا به أصحاب الرسوم المسيئة لرسولنا الكريم، لكن عذرنا أن البقر تشابه علينا، فلا يستطيع أن ينكر فضل ومكانة رسول الله عند البشر جميعاً سوى حيوان لا يعقل ما يفعل!