في الولايات المتحدة، تتجه أنظار الصحافة والحكومة معاً إلى حقيقة هرولة الاقتصاد الأميركي نحو فترة ركود جديدة، يشير إليها الربع الأول والربع الثاني من العام المالي الجاري، اللذان عكسا تراجع إجمالي الناتج المحلي. وللحقيقة فإن الوضع أسوأ مما يتصور الكثيرون. ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية ظلت تمر بمرحلة ركود اقتصادي منذ عام 1975، وفقاً لمقاييس محددة للأداء الاقتصادي. فكيف يمكن لهذا أن يحدث؟ للإجابة فإنه ربما كان من المفيد للمرء أن يعيد النظر في قياسات إجمالي الناتج المحلي المستخدمة حالياً، ليتأكد من مدى ملاءمتها لقياس المستوى المعيشي للأميركيين ورفاههم. كما نعلم فإن مهمة قياسات إجمالي الناتج المحلي هذه هي قياس القيمة السوقية الكلية لجميع السلع والخدمات المنتجة في دولة مَّا، إلا أنها لا تشمل سوى السلع والخدمات التي يتم تبادلها نقدياً. كما تتسم هذه القياسات بإضافتها لجميع الأشياء موضوع القياس، دون التمييز بين الأنشطة الاقتصادية المرغوبة والحافزة لخير ورفاه المجتمعات، وتلك التي تعمل على خفض مستوى رفاه المجتمعات وخيرها، وهي الأنشطة غير المرغوبة بالطبع. فعلى سبيل المثال يسهم حدوث بقعة نفطية ما في المسطحات البحرية لإحدى الدول، في رفع إجمالي ناتجها المحلي، طالما أنها تتطلب تصدي أحد ما لتنظيفها وإزالتها، مما يزيد حجم الاستثمار والنشاط الاقتصادي. ولكن هل تسهم بقعة النفط هذه في حفز الرفاه الفعلي للمجتمعات؟ وبالمنطق نفسه، فكلما ازدادت الأمراض وانتشرت الجريمة واتسعت دائرة الحروب والحرائق، وازدادت ملوثات البيئة والعواصف والكوارث الطبيعية، كلما ازدادت معها احتمالات ارتفاع إجمالي الناتج المحلي تبعاً لزيادة النشاط الاقتصادي. كما يهمل هذا المقياس الأنشطة الاقتصادية الحافزة لرفاه المجتمعات، إلا أنها تظل خارج دائرة السوق. ومن هذه على سبيل المثال عمل الآباء غير المدفوع الأجر عند اهتمامهم بالأطفال في المنازل. فمثل هذا النشاط لا محل له في قياسات إجمالي الناتج المحلي. لكن وما إن يقرر الوالدان أنفسهما الانتقال بنشاطهما هذا إلى خارج المنزل، وتقاضي أجر عن الاهتمام بأطفال الآخرين، حتى يشير مؤشر إجمالي الناتج المحلي إلى ارتفاع مَّا أياً كان قدره. وعلى رغم أن فارق دولار واحد في الدخل، ربما يعني الكثير بالنسبة للفقراء، وقد يسهم في تحسين مستوى معيشتهم على نحو مَّا، فإن قياسات إجمالي الناتج المحلي لا تعكس شيئاً عن فوارق الدخل بين الأغنياء والفقراء. وعموماً يمكن القول إن قياسات إجمالي الناتج المحلي، لم يقصد منها يوماً أن تكون معياراً للحكم على خير الشعوب ورفاهها الاقتصادي. ومع ذلك ظلت عيوب ونقائص هذه القياسات مجهولة للكثيرين، بينما خطا بعض الباحثين نحو تقديم بدائل أفضل لها، منهم على سبيل المثال مقياس "وليام نوردوز" و"جيمس توبين" المعروف باسم "مقياس الرفاه الاقتصادي" الذي قاما بابتكاره عام 1972. وهناك أيضاً "مؤشر "هيرمان دالي" و"جون كوب" لاستدامة الرفاه الاقتصادي" الذي ابتكر في عام 1989، وصولاً إلى "مؤشر التقدم الحقيقي" الذي طورته مؤسسة "Redefining Progress" للأبحاث العلمية مؤخراً. وعلى رغم أن هذه البدائل -شأنها شأن قياسات إجمالي الناتج المحلي، من ناحية اعتمادها على القياسات المالية- إضافة إلى كونها لا تزال أبعد من أن تكون مثالية، وتحتاج بالتالي إلى المزيد من التنقيح والتطوير، إلا أنها تظل أفضل حالاً من حيث قدرتها على قياس الرفاه الاقتصادي القومي الفعلي لأمة مَّا من الأمم. ومن جانب آخر من النظر إلى أداء الاقتصاد الأميركي وانعكاسه على رفاه المجتمع والدخل الشخصي ومن ثم مستوى الحياة، فإن الملاحظ أن إجمالي الناتج المحلي قد حافظ على ارتفاعه منذ عام 1950، مع مروره بفترات قصيرة من الركود، وأن المعدل القومي لدخل الفرد ارتفع هو الآخر ليبلغ ذروته في عام 1975، ليبدأ تراجعه ويمر بمرحلة ركود منذ ذلك الوقت. وتنسجم هذه الصورة تماماً مع مسوحات ودراسات الرضا عن مستويات الحياة التي أجريت خلال الفترة المذكورة، لما أظهرته من مؤشرات تراجع واضح في مستوى معيشة المواطنين الأميركيين طوال العقود الأخيرة الماضية. والذي تجب ملاحظته هنا، أن هذه صورة مغايرة للغاية لما اعتدنا أن نقرأه عن أداء اقتصادنا القومي، وهي تقتضي حتماً التصدي لها بتبني سياسات اقتصادية مغايرة هي الأخرى. ذلك أننا نمر في الوقت الحالي بتلك المرحلة التي نعتها "هيرمان دالي" -الباحث الاقتصادي السابق بالبنك الدولي، وأستاذ الاقتصاد حالياً بجامعة ميريلاند- بمرحلة "اللانمو الاقتصادي". وأهم ما تتسم به هذه المرحلة هو أن أي نمو اقتصادي لاحق، يؤدي بالضرورة إلى خفض المستوى المعيشي للمواطنين! وبما أن هذه هي الحقيقة التي لا مناص من مواجهتها، فكيف لنا أن نخرج من دوامة تراجع المستوى المعيشي القومي التي تظل تمر بها بلادنا طوال الثلاثة وثلاثين عاماً الماضية؟ والإجابة أن عدة سياسات بديلة اقترحت مؤخراً بهدف رسم سياسات الاقتصاد القومي على حفز المستوى المعيشي للمواطنين في المقام الأول. ذلك أن أشد ما تحتاجه الولايات المتحدة الآن، هو أن تجعل من نمو مستويات معيشة المواطنين، وليس نمو إجمالي الناتج القومي المحلي، هدفاً رئيسياً لسياساتها. وهناك من دول العالم ما تبنت مثل هذا النهج فعلياً. بل إن منها ما جعل من "إجمالي السعادة القومية" هدفاً رئيسياً صريحاً له، على نحو ما فعلت "بوتان". وفي الاتجاه نفسه تعمل كندا على تطوير مؤشر خاص بقياس الرفاه الاجتماعي، في حين تتجه أستراليا إلى جعل "رفع الرفاه الاجتماعي الفعلي"، وليس إجمالي الناتج المحلي، هدفاً رئيسياً لسياساتها المقبلة. وعليه وما إن تحذو الولايات المتحدة حذو هذه الدول، حتى يستلزم المضي في هذا الطريق، إجراء جملة من الإصلاحات الأساسية في سياساتها الاقتصادية القومية. روبرت كوستانزا مدير "معهد جند" للاقتصاد البيئي بجامعة فيرمونت ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"