من يقول إن العلم في الإسلام هو الدين لا ينطلق في ذلك من رؤية تاريخية أو علمية. تاريخياً عمر العلم بمعناه الحديث قصير لا يتجاوز على أكثر تقدير ألف سنة، في حين أن عمر الدين هو تقريباً عمر الإنسان على الأرض، وبالتالي يُحسب بمئات الآلاف، إنْ لم يكن بملايين السنين. الدين معني بتنظيم علاقة الإنسان مع ربه، ومعني بالشأن الأخروي. أما العلم، فمعنِي بتنظيم علاقة الإنسان مع الطبيعة. العلاقة الأولى فطرية، ومن الطبيعي أن يسبق الاهتمام بها الاهتمام بعلاقة الإنسان مع الطبيعة، لأن هذه الأخيرة تتطلب الكثير من الدربة والخبرة والتراكم المعرفي والمنهجي. هناك فروق كثيرة بين العلم والدين، أهمها يتعلق بثلاثة: السلطة، والمرجعية، والمنهج. تحدد هذه المسائل طبيعة وجوهر كل من العلم والدين. السلطة في الدين الإسلامي هي للإيمان ثم التقليد ثم العقل. حضور البعد العقلي واضح هنا، وهو أحد الأسباب وراء الموقف الإيجابي للإسلام من العقل والعلم. ربما تساءل البعض عن مبرر إعطاء التقليد سلطة إلى جانب الإيمان. وهذا تحديداً ما يشير إليه مبدأ الاتباع، ونبذ الابتداع، خاصة فيما يعرف بفقه العبادات. ثم إن التقليد يمثل أحد مرتكزات المنهج المعرفي في الدين، مما يعطيه سلطة ثقافية. يتكامل التقليد في ذلك مع آلية القياس باعتبارها تعني قياس الشاهد على الغائب، والخلف على السلف، والحاضر على الماضي. بعبارة أخرى، يشكل التقليد مع القياس المنهج الديني. أخيراً تعود المرجعية في الدين الإسلامي إلى النص باعتباره مُنزّلا، وينطوي على حقيقة الدين، وعلى أركانه التأسيسية. كيف تبدو الصورة على الجانب الآخر، أو العلم؟ السلطة في العلم هي أولاً وأخيراً للعقل. أما المنهج، فهو ذلك الذي يقوم على السؤال كمنطلق، والفرضية كاحتمال، ثم البرهان من خلال التحليل والتجربة. كل شيء في العلم مطروح للسؤال، وعرضة للشك، وفي حاجة دائمة للبرهان. المرجعية في العلم هي للعقل وللمنهج العلمي معاً. وعند المقارنة نجد أن المنطلق الأساسي للمنهج الديني هو الإيمان المسبق: الإيمان بصحة النص ودقته كمتطلب أولي، أو صحة الإجماع أو القياس في حال عدم وجود نص. ليس هناك مجال أبداً في المنهج الديني للسؤال أو الشك، خاصة أمام النص والإجماع. المبدأ هو الإيمان، والمنتهى هو اليقين، أو كما يقول الأثر "الإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". يتطلب منطق السؤال والبرهان آلية للقياس: قياس المتغيرات، وليس القياس بالمعنى الفقهي. وهذه بدورها تتطلب بالضرورة توفر المعلومة التي من دونها لا يمكن القياس، والقدرة على الملاحظة. وحيث أن درجة دقة وصحة المعلومة ليست واحدة في كل حالة، وتعتمد على الأداة التي استخدمت للحصول عليها، وحيث أن تفسير المعلومة وتحليلها، واستخراج العلاقات بين الظواهر والعوامل على أساسها، تختلف أيضاً من حالة لأخرى، ووفقاً لمنهج التحليل المستخدم، تطلب الأمر أن تكون هناك مساحة كافية للنقد والمراجعة، والتدقيق والتمحيص. الاختلاف في المجال العلمي هنا طبيعي، وبالتالي من الضرورة بمكان أن تكون هناك مساحة كافية لاستيعاب الاختلافات، وضرورة التعايش فيما بينها. على العكس من المنطق الديني، ليس هناك في العلم إيمان مسبق، ولا يقين يمكن الركون إليه والتوقف عنده. وفقا للمنطق الذي يحكم المنهج العلمي يمكن القول بأن "العلم يبدأ بسؤال، وينتهي بسؤال". من هنا الطبيعة التراكمية للعلم، وللدراسات العلمية. من هنا يكون الفرق بين العلم والدين في أساسه فرقا في المنطلق وفي المنهج. فمن حيث أن الإيمان هو منطلق الدين، وهو السلطة الحاكمة فيه، ينحو دائماً نحو الثبات واليقين. أما العلم، فمن حيث أنه ينطلق من السؤال لينتهي إليه، والعقل بحيويته التي لا تنتهي عند حد هو السلطة الحاكمة فيه، نجد أنه، وعلى العكس من الدين، ينحو دائماً نحو التغيير وليس الثبات. مثل هذه الفروقات الجوهرية لا تجيز أبداً القول بأن العلم هو الدين أو العكس. الدين منهج محدد في التفكير وله منطقه الخاص، وآلياته المعرفية التي لا تصلح إلا في إطاره الخاص. والعلم منهج آخر مختلف يعمل وفقاً لمنطق مختلف، وبآليات لا يمكن تطبيقها إلا ضمن حدود إطاره المنهجي الخاص به أيضاً. أعود، في السياق نفسه، إلى الفيلسوف الإنجليزي الشهير، "برتراند راسل"، لنرى كيف عرف مجاله الفلسفي. يقول "الفلسفة كما أفهمها هي شيء يقع في المنتصف بين اللاهوت والعلم. هي مثل اللاهوت من حيث أنها تتكون من أفكار وتحليلات تأملية، أو تخمينات (speculations) لمواضيع لا تتوفر عنها معلومات دقيقة، أو يمكن التأكد من صحتها. لكن الفلسفة مثل العلم من حيث أنها تستند إلى العقل الإنساني، وليس إلى السلطة، سواء في ذلك سلطة التقاليد أو سلطة الوحي. كل المعارف الدقيقة، كما أرى، تنتمي إلى العلم. وكل أشكال "الدوغما" (Dogma)، أو المعتقدات التي تتجاوز حدود المعرفة الدقيقة تنتمي إلى اللاهوت. فيما بين اللاهوت والعلم هناك متاهة مفتوحة للتناول من قبل الجانبين. هذه المتاهة هي الفلسفة. كل الأسئلة التي تستهوي أصحاب الذهنيات التي تميل إلى التحليل التأملي (speculative minds)، هي تلك الأسئلة التي لا يستطيع العلم الإجابة عليها، وإجابة اللاهوت الوثوقية لم تعد مقنعة كما كانت قبل قرون مضت. من هذه الأسئلة: هل العالم منقسم إلى عقل ومادة؟ وإذا كان كذلك، فما هو العقل؟ وما هي المادة؟ هل يخضع العقل للمادة أم أنه يتوفر على قدرات مستقلة بذاته؟ هل للكون أي وحدة أو هدف؟ هل هو يتطور في إتجاه هدف ما؟ هل هناك فعلاً قوانين للطبيعة، أم أننا نعتقد ذلك بسبب من ميلنا الفطري نحو النظام؟ ....." (راسل، تاريخ الفلسفة الغربية، بالإنجليزي، ص13 من المقدمة). يؤكد "راسل" هنا على ضرورة الفلسفة لسد الفجوة المعرفية الناشئة عن عدم قدرة العلم على التعاطي مع هذا النوع من الأسئلة، وعدم قدرة اللاهوت على تقديم إجابات مقنعة عليها. إشارة "راسل" هنا إلى اللاهوت المسيحي، وإلى سيرورة التطور المعرفي للإنسان. في ضوء ما سبق، أعود إلى مداخلة د. عبدالعزيز قاسم مع د. توفيق السيف. يقول "هل يعتبر كاتبنا العزيز الدين والوحي من العلم أم لا؟.. شخصياً أرى أن الدين والوحي من العلم, كيف يفصل العلم عن العلم؟! قال تعالى "ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم" فسمى الوحي والدين علماً, والعلوم تتعاضد لا تتصارع كما يتوهم البعض! ولذلك قال الفيلسوف الاسلامي ابن رشد قولته الشهيرة التي باتت أحد محددات المعرفة الإسلامية "أدلة الحق تتعاضد"، وظل فقهاء المسلمين يرددون دوماً أن "العقل الصريح موافق للنقل الصحيح".." (عكاظ، 27/3/2008م) كيف يمكن أن يكون الوحي من العلم، وكل منهما ينتمي إلى مجال معرفي يختلف عن الآخر؟ إذا كان المقصود بمقولة أن "الوحي من العلم" أن الوحي مصدر للمعرفة، فهذا صحيح. لكن هذا يختلف تماماً عن مماثلة الوحي كمنهج بالعلم كمنهج مغاير. مقولة ابن رشد هنا صحيحة، لأن الحق هو أن العلم يختلف عن الدين، والأدلة على ذلك تتعاضد بالفعل. أما قول الفقهاء فيحتاج إلى إضافة تعريفهم "للعقل" أولاً، وأين يقع مبدأ التقليد والإتباع من هذا التعريف. لايبدو أن استشهاد عبدالعزيز بالآية الكريمة في محله. لأن مصطلح العلم فيها يعود، بحسب القرطبي إلى القرآن وما يتضمنه من معنى الدين الإسلامي وحقيقته، وليس إلى العلم كنمهج للبحث. الأرجح أن وصف الله تعالى للكتاب بالعلم في هذه الآية وغيرها يعود إلى المعرفة، وليس إلى العلم كمنهج. القرآن كتاب دين وعقيدة، وليس كتابا علميا بالمعنى المنهجي الحديث. كذلك الأمر في قوله تعالى "والراسخون في العلم يقولون آمنا به"، وتفسيرها، حسب القرطبي أيضاً، أن الراسخين في علم الكتاب يقولون آمنا بما جاء فيه من محكم أو متشابه. وهذا تعبير عن الإيمان وليس عن العلم. فالمُحكم في الكتاب واضح وقابل للتفسير، أما المتشابه فيعود علمه إلى الله وحده. وهذه منهجية دينية، وليست منهجية علمية. إنطلاقاً من ذلك، تبرز أهمية وخطورة التمييز بين العلم كمنهج والدين كمنهج آخر مختلف. القول بتماثل الاثنين يؤدي بالضرورة إلى الخلط بينهما، بحيث يفقد كل من العلم والدين هويته المعرفية، ويؤدي إلى تشويه المنهج الخاص بكل منهما.