الثقافة الشعبية بين القبول والرفض
تنصرف أذهاننا جميعاً، عندما نتحدث عن "الثقافة"، إلى الثقافة الرسمية أو ثقافة الصفوة الرفيعة والجامعات وأهل العطاء الفكري والفني. ولكن الثقافة، كما قلنا في مقال سابق، تشمل كذلك عادات وتقاليد المجتمع وطرقه المعيشية، وتشمل كذلك التراث الفكري الشعبي، الذي لا يرتبط بالضرورة بانتشار التعليم والجامعات والمفكرين، ويظل موازياً مجاوراً للثقافة الرسمية وفكر الصفوة. ويرى أحد الباحثين أن الثقافة الشعبية هي التي ينتجها "العامة"، وتكتسب الثقافة الشعبية صفتها هذه نتيجة أن عامة الشعب هم الذين ينتجونها ويستهلكونها. فإنجازات الثقافة الشعبية هي إبداع "جمعي" ينتمي إلى جموع هؤلاء العامة ولا ينسب إلى أفراد بذواتهم. أما الثقافة الرسمية فتكتسب صفتها لكونها من إنتاج أفراد ينتمون أساساً إلى المؤسسات النظامية الرسمية، وهذه المؤسسات النظامية الرسمية تستبعد عموماً، الثقافة الشعبية، وتنظر إليها نظرة نافية إما باعتبارها ثقافة مشوهة متخلفة، تنتمي إلى ماضٍ يجب تخطيه، أو لكونها "لا ثقافة" كلياً.
وتثير "الثقافة الشعبية"، إنْ افترضنا فيها السطحية والعامية والفجاجة، أسئلة كثيرة في الواقع، بحاجة إلى دراسات عديدة.
فما هي حدود التداخل والاستقلال بين الثقافة العربية العامة أو الرسمية، وسائر الثقافات الشعبية العشرين أو أكثر، في العالم العربي؟ وهل يحسن بالكاتب الروائي مثلاً أن يستخدم العامية في بعض رواياته للتعبير عن الواقع الممارس، أم أنه يستطيع الاستغناء عنها؟ وإذا أكثر من العامية، كيف يستطيع التواصل مع بقية القراء خارج الوطن؟ وإذا ما قمعنا مثل هذا المنحى، فماذا نفعل بالغناء والدراما؟
وقد نتساءل: هل الأغنية الفصيحة، أو حتى القصيدة العربية، أكثر قدرة على التعبير وأصدق في رسم المشاعر وأقرب إلى أذن المستمع؟
فنحن نتابع الكثير من الأغاني والقصائد بالعاميات المصرية واللبنانية والخليجية، وكذلك الأعمال الدرامية في التلفاز، ونسلم بوجود شعر شعبي في غاية القوة والمتانة والتأثير، كشعر مظفر النواب وأحمد رامي وغيرهما، وقد تؤثر فينا كلمات أغاني فيروز وتصل إلى أغوار في مشاعرنا لا تصل إليها كلمات القصائد الفصيحة، التي نشعر أحياناً بأنها لا تنتمي إلى عالم القناديل الشاحبة والثلج المنهمر ودروب الضيعة الممحية.. ومختار المخاتير!
وقد يتساءل باحث، هل الثقافة الشعبية منحدرة إلينا من ثقافة بدائية للتجمعات البشرية الأولى والقبائل والقرى و"النجوع" ورحلات الخليجيين البحرية للغوص والتجارة، أم أنها، كما اعتبرها البعض، أصداء مشوهة لثقافة عربية أدق منها، وصورة غير أمينة، لأصل عجزت الأدوات الشعبية عن التقاطها؟
ونصل أخيراً إلى سؤال سياسي كثيراً ما يطرح، فهل تشجيع "الثقافة الشعبية" وتوسيع نشرها، يزيد العالم العربي انقساماً وتفرقاً، فقمعها إذن بعض مستلزمات "الأمن الثقافي"، أم ترى أن انتشار مثل هذه الثقافات الشعبية يشجع التعددية في الواقع، ويسند حقوق الأقليات والتقاليد المهددة بالانقراض؟
ويدرس عبدالحميد حواس، الأستاذ بالمركز القومي للفنون الشعبية بالقاهرة، "مواقف المثقفين" من الثقافة الشعبية، فيرى فيها ستة توجهات مختلفة:
1- فقد رأى دعاة التغريب في ظواهر الثقافة الشعبية مظهراً من مظاهر التخلف، يقف حجر عثرة في طريق التمدين والتحديث (وفق النموذج الأوروبي الغربي)، ومن ثم يجب إزالتها واستبعادها من حياتنا، ومن رأى منهم في بعض ظواهر الثقافة الشعبية شيئاً جديراً بالاهتمام فإنما لطرافة هذه الظواهر طرافة متحفية!
2- ويلتقي مع دعاة التغريب في موقفهم، يقول الأستاذ حواس، دعاة الأصولية السلفية والنقاء الديني واللغوي، فالثقافة الشعبية، من هذا المنظور، تحريف لأصل قديم ينتمي إلى عصر ذهبي مضى وتشويه له. وقد حدث هذا التحريف وذلك التشويه نتيجة لضلال العوام وأوهامهم، ومن ثم يجب التخلص من هذا الضلال والوهم والتشويه توطئة لاستعادة الأصل النقي الصحيح.
3- ورأى دعاة القومية العربية، وبخاصة في صورتها الغالبة، في ظواهر الثقافة الشعبية مظهراً من مظاهر التفكك القومي، يؤكد عوامل الفرقة ويدعم "الشعوبية". ومن هنا يجب محاصرتها تمهيداً لإلغائها. فالثقافة العربية الجامعة، في تقدير هذا الاتجاه، هي "التراث"، أي مأثور الثقافة الرسمية الفصيح وحده.
4- أما أصحاب النزعة الوطنية، فقد رأوا في ظواهر الثقافة الشعبية مظهراً من مظاهر الأصالة الوطنية، ومجالاً للتمجيد الرومانسي لكل نص قد يعثرون به، وقريب من هؤلاء دعاة الانفصال والتمركز الثقافي والمروجون للخصوصية والتفرد في أنحاء متباينة من الأقطار العربية.
5-وتراوح موقف الماركسيين من الثقافة الشعبية: من الرفض والاستبعاد، باعتبار أن مكوناتها وعناصرها تحوي الكثير مما هو مزيف للوعي أو معوق للوعي الصحيح، إلى الإشادة بهذه الثقافة على أساس إقامة ترادف بين نسبة الشعبية والشعب بالمعنى السياسي، فكل ما هو "شعبي" له مكانة سياسية خاصة متميزة في الثقافة اليسارية عموماً.
6- وتحت تأثير الفكر التنموي بمنحاه الاقتصادي تشكل تيار، معظمه من الأكاديميين، ينوه بأهمية التعرف على مكونات الثقافة الشعبية، ولكن على أساس قدرتها والدوران حولها والتكيف معها لضمان نجاح الخطط التنموية. (انظر: الأدب العربي: تعبيره عن الوحدة والتنوع، بيروت، 1987، ص404).
ويلاحظ الباحث نفسه أن الأدب الشعبي، مع أنه جزء من الثقافة الشعبية ولون من ألوان ابداعاتها، كان وما زال أكثر حظاً في الالتفات إليه من كثير من أنواع الثقافة الشعبية وألوان إبداعها، فقد حظي باهتمام نسبي من الدوائر المثقفة ومن الدارسين ومن أجهزة الدولة ومؤسساتها الرسمية، وخصصت له أكثر من جامعة أستاذية أو مقرراً دراسياً. ولكن هل كان هذا "الاهتمام الإحيائي" مفيدا دائماً للثقافة الشعبية؟ أم أن الانتقاء والتجديد والاقتباس قد شوه هذه الثقافة ووضع مدلولاتها في إطار مختلف؟
فثمة شكوى دائمة من هذا "التشويه والتلاعب" بالتراث الشعبي والأصالة الموروثة، وقد تقع الثقافة الشعبية ضحية لبعض المسؤولين الرسميين الذين يترفعون عليها ولا يقدرون جوانب الجمال فيها بل ربما يعادونها! فالثقافة الشعبية لبعض هؤلاء "لا ثقافة"، ومن ثم فإن "أصحابها يعانون فراغاً ثقافياً"، ومن ثم وجوب شغل هذا الفراغ واحتلاله بـ"ثقافة أرفع". وأفدح من كل هذا أثراً، يقول "حوّاس"، "إن أصحاب الثقافة الشعبية أنفسهم أخذوا يتشربون هذه المفاهيم، ويقتنعون بها، ويستشعرون دونية ثقافتهم إزاء الثقافات الأخرى، بل ويصلون في غير حالة إلى إنكارها، أو التنكر لها، لدرء التوهم أن هذا قد يصمهم بالتخلف أو الانحطاط الاجتماعي والفكري".
على أية حال، يدخل التفاعل أو الصراع بين "الثقافة الرفيعة الفصحى" ومعها الأدب العربي شعراً ونثراً من جانب، و"الثقافة الشعبية العامية" ومعها آدابها الشعرية والغنائية والدرامية وأمثالها وغير ذلك من جانب آخر، في مرحلة شاملة جديدة اليوم بسبب هذا التقدم المذهل في وسائل الاتصال العامة المهيمنة اليوم على جماهير كل الدنيا.
ومن غير المعقول أن يعتقد أي منا أن الثقافة الشعبية تقتبس دائماً من أختها الرسمية أو الرفيعة، فلا شك أن الثقافة الشعبية، كلاماً وفناً وشعراً ودراما، تؤثر بشدة في الحياة الثقافية العامة وحتى في الثقافة العربية الرفيعة السائدة، وما تنافس العامية بل وطغيانها على الفصحى في الجامعات والإعلام، كما يشتكي بعض كبار المثقفين العرب، إلا صورة من هذا الواقع.
ومن المعروف أن الثقافة الشعبية تعتمد على بعض السمات كانتقالها شفاهاً، وعدم تدوين كل تفاصيلها، بل ربما لا يمكن تدوين كل ما تتضمن، وذلك لأسباب مختلفة.
وهنا يلاحظ الباحث، الأستاذ حواس، انتعاش "الشفوية" من جديد في الثقافة الشعبية وتقهقر "الكتابية" أو تراجعها للخلفية نسبياً. ويلاحظ أن البث الإذاعي والتلفزيوني، بإمكانياتهما الحديثة والمتجددة، قد زحزح قيمة الكتاب والصحيفة ودفعهما إلى الخلف، وأغنى شريط الكاسيت والفيديو كاسيت المواطن العامي عن كتابة الخطابات ونحو ذلك. ولم يكن عالم 1987، عندما نشر الكتاب، يعرف الإنترنت والفضائيات على ما هو عليه اليوم!