الأعمار والأجيال في تاريخ الديمقراطية
تفيض نظرية الأجيال والأعمار من صحافة المعارضة المصرية والعربية. ويشكو آلاف الشباب من استمرار هيمنة الأجيال الأقدم على كل مؤسسات المجتمع والدولة وحرمانهم من فرصتهم في الترقي والقيادة. والأهم أنهم ينسبون جمود المجتمع وفشل الدولة في الانطلاق بالبلاد لهيمنة المسنين. وهذا أيضاً ما يفسر لديهم تعثر الانتقال الديمقراطي. فالأجيال الأقدم لم تشهد حياة ديمقراطية حقيقية ولا تثق بها ولن تسمح بها.
وبالفعل فثمة ما يشير إلى أن تشبيب القيادة ينقل الفكر الرسمي إلى مستوى أكثر حيوية وأكثر رغبة في المخاطرة بهجر الأساليب القديمة. ولدينا أمثلة متعددة منها ما تم في بلاد غنية، مثل الإمارات والبحرين، ومنها ما تم في بلاد فقيرة، مثل المغرب. وبوجه عام ثمة شيء مبهر في تولي الأجيال الشابة مسؤولية القيادة حتى في مجتمعات ودول مستقرة وكبيرة. لا ينسى الأميركيون أبداً عصر جون كينيدي؛ فقد ألهمت شخصيته المنفتحة أعمالاً كثيرة في مجالات الأدب والفنون التشكيلية والسينما. واليوم يتصور بعض الناس أن ذهاب كينيدى أنهى عصر الأحلام وأفاق الأميركيين على بشاعة الواقع وخاصة مع اغتياله الغامض والمريب.
وشيء من هذه الفانتازيا يكمن وراء ظاهرة الولع بباراك أوباما في الولايات المتحدة، بل وفي العالم كله. المعمورة كلها باستثناء العالم العربي تنتظر أوباما رئيساً لأميركا لحل مشكلة ما أو لتقديم نموذج مغاير للقيادة بعد أن صار بوش الابن تجسيداً لكل ما هو قاتم ومكروه في الحياة الأميركية.
إن جانباً كبيراً من ظاهرة الولع بأوباما يعود إلى ذكرى كينيدى: شاب متحمس يتحدث بشكل جيد ومبهر للشباب، ويدعو للتغيير ويطالب بالعدالة ويمرق بعيداً عن التقاليد المحافظة.
وبوجه عام انتقلت ظاهرة تشبيب القيادة من أميركا إلى أوروبا حيث تولى شباب لم يكملوا الأربعينيات القيادة في عدد من أهم الدول الأوروبية.
وبالفعل فما أن يتولى شاب ما القيادة العليا حتى يبدو وكأن طقساً ربيعياً قد انبجس، لا فقط في حياة الدولة وإنما في عيون الناس وأفئدتهم، فتجدهم أكثر حباً للحياة وأكثر ميلاً للنزهة والتحرر من الطرق القديمة في اللبس والمظهر وأكثر رغبة في إتباع أساليب متحررة في تربية الأطفال وفي العطاء لمؤسسات الرعاية الاجتماعية. وتهيمن أساليب جديدة ومنفتحة للتعبير الجمالي والإبداعي وتفيض على المجتمع من خلال الإذاعة والتلفزيون.
هذا كله صحيح في المناخ العام للمجتمع ونظرته للحياة. بل هو صحيح أيضاً في بعض جوانب السياسة والخطاب العام. لكنه لا يبدو صحيحاً فيما يتعلق بمضمون العملية السياسية.
فليس من الصحيح مثلاً أن الشباب وحدهم من يستطيع أن يأتي بتغيير عميق في السياسات العامة، بغض النظر عما إذا كانت تحقق العدالة لصالح الفقراء والمحتاجين أم عكس ذلك.
وإن بقينا في التاريخ الأميركي فالرئيس المؤسس جورج واشنطن قاد بلاده نحو الاستقلال في سن متأخرة من حياته، وكان له دور كبير في تبني الدستور الذي أقام الديمقراطية الأولى في العصر الحديث. وهو أيضاً رفض "خرق الدستور" غير المكتوب والاستسلام لرغبة "أصدقاء السوء" الذين حاولوا إغراءه بتولي الرئاسة لمدة إضافية، وهو ما لم يفعله قائد عربي أو غير عربي إلا مضطراً. والرئيس الأميركي رونالد ريجان أحدث هزة عميقة وغيّر مسار الاقتصاد الأميركي، رغم أنه كان قد تجاوز السبعين، عندما انتخب رئيساً بل كان يعاني من مرض الزهايمر بصورة محسوسة حتى لعامة الناس في ولايته الثانية. والنموذج الفذ فعلاً لقيادة مسنة تأتي بتغيرات هائلة تشبب المجتمع ككل، هو تنج هسياو بنج الذي تولى قيادة الصين حتى قبل أن يرحل الرئيس ماو في أواخر السبعينيات، فهو الذي أعاد بناء الاقتصاد والمجتمع الصينيين وقام بتحديثه على نحو غير مسبوق. واليوم يتولى شباب زعامة الحزب والدولة في الصين التي كانت قياداتها صورة كلاسيكية للشيخوخة.
والعكس صحيح أيضاً. فغالبية من تولوا قيادة بلادهم في سن مبكرة لم يحدِثوا ثورات حقيقية في النظام السياسي بل حاولوا فقط إنقاذه أو تكريسه أو فرضه فرضاً على مجتمع يتطلع لتغييرات وإصلاحات حقيقية وعميقة. ولدينا هنا نماذج كثيرة تملأ كتب التاريخ والسياسة الدولية الراهنة، من جورباتشوف وبوتين حتى توني بلير وجورج بوش الابن.
فما قيمة نظرية الأجيال السياسية إذن؟ أعتقد أن قيمتها تكمن في أن الإصلاحات الجوهرية تحتاج فعلاً إلى قيادات شابة بينما يميل كبار السن للدفاع عن الموروث أو إحداث طفرات كمية بسيطة في البناء السياسي والاجتماعي. هذه الصياغة تتجنب بعض أهم الأخطاء والخرافات المحيطة بقضية الأجيال السياسية.
فالتجديد يحتاج لشباب، لكن الشباب ليسوا بالضرورة مجددين خاصة عندما تكون المهمة عظيمة وثقيلة فعلاً. وفي العالم العربي هناك قيادات شابة ولكنها كرست الأمر الواقع الثقيل فعلا على النفس. وبعض هذه القيادات فضلت الاستبداد والبطش السياسي وأفشلت التوقعات المتفائلة التي راجت حولهم في البداية. لكن بعض القيادات الشابة أحدثت تغييرات مهمة وإن ليست ثورية.
وعلى العكس فان المسنين لا يميلون للإصلاحات الجذرية، لكنهم ليسوا بالضرورة أعداءها. وكما يظهر من نموذج "تنج هسياو بنج"، يمكن أن يكون المسنون مستعدين لقيادة بلادهم نحو تغييرات عميقة للغاية في مجال معين والدفاع عن الأمر الواقع وتكريس بعض المظاهر السيئة في مجال آخر. و"تنج هسياو بنج" حول الصين من نظام شيوعي إلى نظام رأسمالي في الاقتصاد لكنه احتفظ بالبنية الاستبدادية في السياسة. كان هو صاحب قرار سحق انتفاضة الميدان السماوي لأنه رفض بشدة تحويل بلاده للنظام الديمقراطي.
يتعين علينا إذن أن نأخذ في الاعتبار أبعاداً أخرى لفهم التنوع في الأدوار التي تقوم بها مختلف الأجيال. وعلى المستوى الشخصي للقيادات ذاتها، ثمة عوامل مثل الخلفية المهنية، وطبيعة التربية، والدراسة والأيديولوجيا، والخبرات التي حصلها، ونمط الشخصية ذاتها. وثمة اجتهادات كثيرة في العلوم السياسية لتصنيف أنماط القيادة، وهو ما قد نثيره في مقالات لاحقة. ومع أن نمط الشخصية وطبيعة خبراتها المهنية والأيديولوجية، غاية في الأهمية، فإن طبيعة المجتمع واللحظة التاريخية التي يعيشها هذا المجتمع هي أهم المتغيرات التي تفسر الجمود أو التطور والحركة.
فالمجتمع الذي يموج فعلاً بالأفكار الإصلاحية، سيفرضها إن عاجلاً أو آجلاً. ولا توجد طريقة في الدنيا لمنع تسرب الأفكار ومصادرة المطالب التي يصر عليها مجتمع ما. والعكس صحيح أيضاً. فمهما كانت درجة استعداد الزعماء، شباباً كانوا أم كهولاً، للأخذ بالجديد فلا توجد طريقة لفرض المحافظة على قوة دفع الإصلاحات على مجتمع رافض لها.
إن جدية هذه الاعتراضات على الخطاب الشخصاني في المجال إلسياسي ينقل قضية الاصلاح الديمقراطي من مستوى الدولة إلى مستوى المجتمع. ولا يعني هذا النقل الضروري أن يأخذ الإصلاحيون في "هجاء" مجتمعاتنا العربية، فهذه ممارسة تبعدنا عن الفهم وتقربنا من حافة اليأس.