الفيضان القادم... والنظام الفضفاض
منذ خمسة عشر عاماً خلت، اجتاحت عدة فيضانات مدمرة منطقة الغرب الأوسط الأميركية، محدثةً خسائر قدرت بعشرين مليار جنيه، ومتسببةً في مصرع 50 شخصاً، وفي شعور بالصدمة طال مئات الآلاف ممن تلفت مزارعهم ودُمرت بيوتهم. والآن نشاهد فيضانات مشابهة في نفس المناطق تقريباً، وهو ما أدى إلى مصرع أربعة أشخاص، وإحداث خسائر اقتصادية آخذة في التصاعد، انعكست في شكل ارتفاع لأسعار المواد الغذائية، وستؤدي عما قريب إلى زيادة الأسعار في محلات البقالة، وتدمير عشرات الآلاف من المنازل.
والحقيقة المحزنة، هي أنه رغم كوننا تعلمنا دروساً كثيرة من فيضانات 1993، وخصوصاً فيما يتعلق بالوقاية من الخسائر، فإننا لم نعمل بموجب تلك الدروس، ولم نضعها، هي وغيرها من الدروس المستقاة من كوارث أخرى مثل إعصار "كاترينا" مثلاً، موضع التطبيق. فعقب فيضان 1993 أصدر الرئيس "بيل كلينتون" حينها أوامره بإجراء دراسة، لتحديد ما يمكن عمله من أجل تخفيف الدمار والأضرار التي يمكن أن تنتج عن أي طوفان يقع مستقبلاً. وتوصلت تلك الدراسة إلى خلاصة مؤداها أن فيضان 1993، وإن كان ضخماً، إلا أنه لم يكن من النوع غير المسبوق، حيث سبقته فيضانات أخرى مماثلة بسبب سقوط الأمطار الغزيرة، وامتلاء مجاري الأنهار بالمياه، وأنه يرجح أن يتكرر ثانية، وأن الناس والممتلكات معرضون للخطر، ليس في الغرب الأوسط فحسب، وإنما في مختلف أنحاء البلاد.
أما عن نظام الحماية من الفيضانات الذي كان قائماً آنذاك، فوصفته الدراسة بأنه "نظام فضفاض يقوم على مجموعة من الإجراءات الفردية والمحلية والفيدرالية المتعلقة بإنشاء خزانات وسدود للوقاية من الفيضان، وأن المسؤولية فيه كانت ملقاة على عاتق السلطات المحلية والفيدرالية بشكل غير محدد، وهو ما خلق وضعاً لم يكن فيه أي أحد مسؤولاً عن أي شيء على الإطلاق".
الخلاصة التي نخرج بها من كل ذلك، هي أن المسؤولية عن الحماية من الفيضانات، ومواجهتها، والتصرف عقب وقوعها، لم تكن محددة بشكل دقيق.
ومن المؤسف أن الوضع السائد منذ ذلك الحين ظل هو "مناقشة الموضوع" وليس "اتخاذ إجراء أو فعل بشأنه". ورغم أن بناء السدود هو النقطة المحورية في أي نظام للوقاية من الفيضانات، فإن أحداً لم يقم بشيء منذ عام 1993 وحتى الآن من أجل تحديد موقعها وحجمها ومواصفاتها. ففي عام 2006، سلمت إدارة "بوش" الكونجرس طلباً باعتماد 30 مليون دولار إضافية كمخصصات تكميلية، من أجل إطلاق برنامج وطني باسم "برنامج إحصاء الجسور وتقييمها"، ووافق الكونجرس آنذاك على الطلب، وبدأت فرق المهندسين في العمل ميدانياً، لكن الذي حدث في عام 2007 هو أن الكونجرس لم يقدم أي أموال لهذا البرنامج، وهو ما حدث في العام الحالي أيضاً، وأدى إلى تعطل البرنامج وتوقفه. وفي العام الماضي وافق الكونجرس على القانون المعروف باسم "القانون الوطني لسلامة الجسور" الذي يمنح التخويل الرسمي لإنشاء برنامج لجرد الجسور وتقييم مدى فعاليتها، لكن الذي حدث مرة أخرى هو أنه لم يتم توفير أي أموال لدعم هذا البرنامج أو حتى للبدء بتنفيذه.
إن الأمر الرئاسي الذي يحدد مسؤولية الوكالات الفيدرالية عن ممارسة أنشطة الوقاية من آثار الفيضانات ومعالجتها، هو أمر يعود صدوره إلى 31 عاماً مضت، وهو ما يجعله غير ملائم للظروف المستجدة، كما يتبين من حقيقة أن معظم الولايات لا تزال عازفة عن الحد من، أو مراقبة، بناء الجسور الواقعة في دائرة اختصاصها، أو العمل على ضمان سلامتها.
والمشروعات الرامية إلى التأمين على السكان الذين يعيشون في المناطق الواقعة خلف الجسور، وتلك الخاصة بمد نطاق هذا التأمين إلى المناطق الأخرى المعرضة لخطر الفيضانات (ولا تقع مباشرة خلف مواقع السدود) بغرض تحديد وحصر الأخطار المتعلقة بالفيضانات، لا تزال معلقة في الكونجرس انتظاراً للموافقة عليها. ونظراً لأننا لم نقم بصورة كافية بنقل فكرة كاملة عن الأخطار التي يمكن أن تترتب عن الفيضانات، فإن فكرة التأمين ضد مخاطر الفيضانات، لم تنتشر بالشكل المطلوب في المناطق المعرضة لتلك المخاطر. ورغم الحقيقة المعروفة، وهي أن العديد من السدود التي أقيمت للوقاية من الفيضان في مختلف أنحاء البلاد تحتاج إلى إصلاح وصيانة، وأن الخطط الخاصة بذلك تمضي على نحو بطيء بسبب نقص المخصصات الفيدرالية، فإننا نجد أن الجهات المنوط بها مسؤولية التصدي لأخطار الفيضان، تميل إلى الانتظار بدلاً من الفعل.
وإذا ما أضفنا نواحي القصور السابقة إلى ما جاء في التقرير الأخير الذي أصدرته الحكومة الأميركية، والذي يشير إلى أن احتمالات هطول أمطار غزيرة وحدوث فيضانات مدمرة، هي احتمالات كبيرة، وذلك نتيجة للتغيرات المناخية، حيث ندرك بوضوح أن الأمر جد خطير.
إن ما يحدث حين يداهمنا فيضان أو كارثة مناخية، هو أن المسؤولين الرسميين يهرعون إلى مكان الكارثة كي تلتقط لهم الصور، وليس هذا بالشيء المطلوب، ولا هو بالشيء الذي يحقق أي فائدة. الشيء المفيد في نظري هو أن يتعامل هؤلاء المسؤولون بشكل أكثر جدية مع المشكلات القائمة، قبل أن يأتي الفيضان القادم، سواء في الغرب الأوسط، أو في ما يزيد عن 20 ألف منطقة أخرى معرضة لنفس الخطر في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.
جيرالد ئي. جالواي
أستاذ الهندسة بجامعة ميريلاند
ـــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"