تحدثنا بالأمس عن فكرة الأعراس الجماعية ومردودها الإيجابي الهائل، لجهة تماسك النسيج الاجتماعي، وتعزيز فكرة المواطَنة، وإبعاد شبح (العنوسة) عن بنات هذا الوطن، وتجنيب شباب المواطنين الاندفاع نحو الزواج من أجنبيات خوفاً من الوقوع تحت طائلة القروض الباهظة، أو تفاديّاً للارتفاع القياسي في تكاليف الزواج، وغير ذلك من إيجابيات يصعب حصرها. "جمعية بيت الخير" في دبي تقدر تكاليف الزواج في الدولة سنويّاً بنحو 11 مليار درهم ما يجعلها الأعلى في المنطقة؛ ووفق دراسات أجرتها الجمعية، تقدر تكلفة الزواج لدى الأسرة متوسطة الحال في الدولة بنحو 300 ألف درهم! التوقعات المستقبلية، وفق دراسات الجمعية، تشير إلى أن هناك زيادة مطردة في أعداد العزّاب من الجنسين من الآن وحتى عام 2015، وهذا بدوره يعني أن الأمر يتجاوز مخاوف (العنوسة)، رغم أهميتها وضرورة البحث عن حلول لها، ليلامس أبعاداً أكثر خطورة مثل تباطؤ معدلات الزيادة السنوية للمواطنين، وبالتالي حدوث مزيد من الخلل السكاني، واتساع في الهوّة القائمة في "التركيبة السكانية". هناك أيضاً مؤشرات وإحصاءات نشرتها صحيفة "الإمارات اليوم" مؤخراً نقلاً عن مدير "إدارة القضايا الشرعية" في محاكم دبي، وعكست هذه الإحصاءات تزايداً ملحوظاً في نسبة زواج المواطنين من غير المواطنات مقارنة بأعوام سابقة، حيث بلغ عدد معاملات زواج المواطنين من غير المواطنات العام الماضي 368 حالة زواج، مقابل 318 حالة سجلت في عام 2006 فيما بلغ عدد حالات زواج المواطنات من غير المواطنين 127 حالة في عام 2007 فيما بلغت نحو 99 معاملة فقط في عام 2006. إيجابيات تشجيع المواطنين على الزواج من مواطنات من خلال تشجيع الأعراس الجماعية، ودعم الشباب في مواجهة تكاليف الأعراس والغلاء وغير ذلك، مسألة تفوق في أهميتها أي دلالات ظاهرية؛ وفي مقابل ذلك فإن الزواج من أجنبيات يفرز سلبيات تستحق بدورها محاصرة هذه الظاهرة في أضيق نطاق ممكن. غلاء المهور، وارتفاع تكاليف الزواج، ليسا سببين وحيدين للزواج من أجنبيات أو أجانب بحسب بعض مستشاري العلاقات الأسرية في البلاد، حيث يرى هؤلاء أن الانفتاح الاجتماعي، ودخول الحياة الوظيفية، أثرا بشكل ما في إقبال الفتيات على الزواج من وافدين، فيما نقل عن بعض رجال الدين قولهم، إن المغالاة في المهور سبب رئيسي في ارتفاع معدلات (العنوسة) وذكر هؤلاء لـ"الإمارات اليوم" أن هناك مطالبات بمهور تصل إلى نصف مليون درهم عدا تكاليف الزواج ! الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن نسبة زواج المواطنين من غير المواطنات في الدولة، خلال السنوات الخمس الماضية، بلغت 22%، فيما بلغت نسبة زواج المواطنات من أجانب نحو 8%؛ واللافت في هذه الإحصاءات أن نحو 30% من زيجات المواطنين بأجنبيات انتهت بالانفصال أو الطلاق، ما يعني بالتبعية أطفالاً يعانون التشتت الاجتماعي، باعتبار أن القانون يمنح حق حضانة الأبناء للزوجة. الإنفاق على الأعراس جزء من مظاهر البذخ السائدة في المجتمع، ما يتطلب وقفة مجتمعية من جانب مختلف المؤسسات والهيئات المعنية، ابتداء بدُور العبادة، وانتهاء بالمدرسة، مروراً بوسائل الإعلام بمختلف أدواتها وقادة الرأي والفكر و"جمعيات النفع العام" وغير ذلك، للوقوف في وجه ظاهرة المغالاة في المهور، بحيث تتسم هذه الوقفة أو الحملة المجتمعية بالاستمرارية والفاعلية، ولا تقتصر على خطبة من خطب الجمعة أو على برنامج تلفزيوني لذرّ الرماد في العيون، بل تتحوّل إلى هدف محوري على أجندة العمل المجتمعي العام. فالمغالاة في المهور لا تفرز فقط الزواج من أجنبيات، بل هي أحد أسباب انحراف الشباب، بما يفرزه من توابع مثل انتقال الأوبئة والأمراض، وقد تكون أيضاً دافعاً للانحراف الوظيفي وقبول الرّشى تحت ضغط الحاجة للمال، والخوف من شبح القروض!