يقول الله تعالى في سورة الرعد، الآية 28: "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب". بهذه الآية الكريمة نبتدئ الحديث عن فضل أهل الذكر الذين اختصت قلوبهم وعقولهم ونفوسهم بصدق عبادته، ووفقهم للقيام بآداب الذكر والعبودية، وأشهدهم على مجاري أحكام الربوبية، فقاموا بأداء أحسن ما يتطلبه واجب التقرب من الله، لنأخذ منهم العبرة والدرس والنموذج والدواء. فالذكر كما يقول القشيري في رسالته هو الركن القوي في طريق الحق سبحانه وتعالى، لا يصل أحد إلى الله إلا بالمداومة عليه، وإذا تمكن الذكر من القلب ودنا الشيطان من الإنسان فإنه يصرع كما يصرع الإنسان. يقول عروة بن الزبير: رأيت عمر بن الخطاب وعلى عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتتني الوفود بالسمع والطاعة، دخلت في نفسي "نخوة" فأحببت أن أكسرها، ومضى بالقربة إلى حجرة امرأة من الأنصار فأفرغها في إنائها... وبلغ عمر بن عبدالعزيز أن ابناً له اشترى فصاً بألف درهم، فكتب إليه: بلغني أنك اشتريت فصاً بألف درهم، فإذا أتاك كتابي هذا، فبع الخاتم واشبع ألف بطن واتخذ خاتماً من درهمين واجعل فصه حديداً صينياً، واكتب عليه رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه. ودعونا ننظر إلى ما فعله العالم الجليل الحسن البصري في موضوع الغيبة وكيف حل إشكاليته مع هذا الموضوع، عندما قيل له إن فلاناً اغتابك، إذ لم يغضب كما هو شأن بعض الناس في موقف كهذا، بل أعطانا درساً جليلاً يعادل كل النظريات والمناهج والنماذج التي تطرح اليوم في حل هذه المشكلة، حيث بعث إلى من اغتابه بطبق من الحلوى وقال له: لقد بلغني أنك أهديت إليّ حسناتك فكافأتك. وقد علّمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم في كلماته التي رواها عنه أبوهريرة رضي الله عنه، درساً بليغاً في معنى القناعة، حيث حددها في معان واضحة وبسيطة عندما قال: "كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قانعاً تكن أشكر الناس، واحبب للناس ما تحبه لنفسك تكن مؤمناً، واحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً، واقلل من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب". وعندما سئل أحد العارفين واسمه عبدالله الرازي: ما بال الناس يعرفون عيوبهم ولا يرجعون إلى الصواب؟ قال: لأنهم اشتغلوا بالمباهاة بالعلم ولم يشتغلوا باستعماله، واشتغلوا بالظواهر ولم يشتغلوا بآداب البواطن، فأعمى الله قلوبهم وقيد جوارحهم عن العبادات. لذلك عندما نظر عمر بن العزيز إلى شاب مصفر هاله المنظر وأراد أن يعرف سببه، فقال للشاب: ما هذا الصفار يا غلام؟ قال: إنها أسقام وأمراض يا أمير المؤمنين، قال: لتصدقني القول! قال: أسقام وأمراض، قال لتخبرني! قال: يا أمير المؤمنين عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها، وكأنني أنظر إلى أهل الجنة والدنيا. وكما يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإن "حلالها حساب وحرامها عذاب"... لذلك فالخوف منها يدفعنا إلى دوام المراقبة في السر والعلانية، لأن الخوف إذا سكن في القلب، حسب أحد العارفين، أحرق مواضع الشهوات منه وطرد رغبة الدنيا عنه. والخشوع كما يقول الجنيد، هو تذلل القلوب لعلام الغيوب. والخاشع حسب محمد بن علي الترمذي، من خمدت نيران شهواته وسكن دخان صدره وأشرق نور التعظيم في قلبه فماتت شهواته فخشعت جوارحه. والخشية تحتاج إلى الورع وذلك لثقله في ميزان الذكر. وتلك صورة تبدو لنا واضحة تماماً في كلمات الحسن البصري عندما دخل مكة ورأى فتى من أولاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد أسند ظهره إلى الكعبة يعظ الناس، فوقف عليه الحسن وقال: ما ملاك الدين؟ فقال الورع، قال: فما آفة الدين؟ قال الطمع. وعندما مر أحد العارفين في شوارع البصرة وشاهد مشايخ قعوداً وصبياناً يلعبون، قال لهم: أما تستحيون من هؤلاء المشايخ؟ فقال صبي من بينهم: لقد قلّ ورع هؤلاء المشايخ فقلت هيبتهم.