وجه إسرائيل القبيح
أطل العالم خلال الأيام الماضية في وجه دولة إسرائيل الوحشي، الذي اعتاد ارتكاب جرائم الحرب واغتيال الأطفال العرب بدم بارد، رأينا هذا الوجه عدة مرات في قسمات وجوه مرتعبة لأطفال رضع وأطفال لم يتجاوزوا الخامسة صعدت أرواحهم إلى ربهم تشكو الوحشية وتطلب القصاص الإلهي، بينما لم يبق من أجسادهم سوى بقايا. هذا القبح اللاإنساني في سلوك الجيش النظامي الإسرائيلي ليس جديداً، فقد أنبأتنا به روايات الأجداد عن مذبحة دير ياسين التي لم يكن القتل فيها للأطفال والأمهات عن بعد بالقصف الجوي والمدفعي، بل كان بالاصطياد عن قرب حسبما شهد الكولونيل "انكور"، أحد الضباط الإسرائيليين الذين شهدوا المذبحة، وأدلى بشهادته في الثمانينيات إلى أحد الصحفيين.
تراث الصهيونية في المجازر عتيق وعريق ويتغذى من منابع عديدة أهمها نبع التحقير للشخصية العربية في الأعمال الفكرية، وأيضاً في القصص بل وكذلك في أدب الأطفال، إنه التحقير الهادف إلى استلاب الصفات الإنسانية ونزعها عن العربي دون أدنى إحساس بالذنب، بل العكس بإحساس القيام بالواجب.
هذا التراث لم ينشأ أخيراً أو حتى في منتصف القرن العشرين مع اندلاع حرب 1948، بل نشأ مبكراً في السنوات الأولى من ذلك القرن بعد بضع سنوات من انعقاد مؤتمر "بازل" عام 1897 بقيادة هرتزل وإعلان الهدف منه، وهو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. في بداية المشروع استخدم القادة الصهاينة مقولة "زنجويل" لإغراء الشباب اليهودي في روسيا القيصرية وشرق أوروبا بالانضمام إلى المشروع الصهيوني وترك فكرة الاندماج في العمل الوطني من أجل إسقاط النظام القيصري. كانت المقولة تتحدث عن الأرض الفراغ ونصها الشهير "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". غير أن المقولة انكشفت بسرعة عندما تبين لرواد الشباب المهاجرين وأهمهم المفكر الصهيوني "احادها عام"، كذب المقولة مع وصولهم إلى فلسطين واكتشاف أنها مسكونة بشعب عريق صاحب حضارة راسخة. كان لابد من معالجة هذا الانكشاف الفكري للمقولة، فحل محلها على الفور موقف فكري آخر قاده في البداية "يوسف كلاوزنر"، وهو موقف يقوم على الاعتراف بالوجود العربي لكنه ينظر إليه في استعلاء حضاري. لقد طالب "كلاوزنر" شباب المهاجرين بعدم إقامة أي اتصالات مع العرب قائلاً في مقال نشر عام 1907 "إن إعجاب الشباب اليهودي بالحضارة العربية والتقاليد البدوية، يجب أن يتوقف، فنحن نتطلع لأن نكون السادة في هذه البلاد يوماً ما، عندما نصبح الأغلبية، ولذا فإن علينا أن نتذكر أننا أصحاب حضارة عليا تميزنا عن العرب والأتراك وهذه الحضارة لا يليق بأبنائها مخالطة هؤلاء العرب البدائيين".
لقد جاء هذا المقال رداً على مقال نشره حاخام يهودي اسمه "ألربى بنيامين"، أبدى فيه إعجابه العميق بالحضارة العربية والشخصية البدوية والسمات الأخلاقية الرفيعة التي يتسم بها العرب، مطالباً بالاندماج معهم.
مع الوقت اكتسبت دعوة "كلاوزنر" للانفصال عن العرب والاستعلاء عليهم، أرضية واسعة بين المهاجرين وتحولت إلى مجرد دعوة عسكرية على يد "جابوتنسكي" للفصل بين العرب ومجتمع المهاجرين اليهود بقوة رادعة أطلق عليها الجدار الحديدي، رمزاً لاستخدام العنف لإبعاد العرب عن المستعمرات اليهودية. وفي عام 1920 طبق "جابوتنسكي"- بعد أن ترأس منظمة الهاجاناة- فكرته عن الردع عندما تربص مع عشرة من أنصاره لموكب ديني من المسلمين والمسيحيين الذين اعتادوا الاحتفال الديني بالتجمع على الطريقة الصوفية في مواكب إنشاد بمناسبة مولد النبي موسى. كانت تلك أول مجزرة فتحت فيها الرشاشات الصهيونية وقذفت القنابل اليهودية على المدنيين العزل، لتتوالى النماذج الوحشية المتصاعدة في استخدام أدوات أعتى للقتل والإبادة إلى اليوم.
يوم الخميس الماضي، شاهدت مقابلة على شاشة الـ"بي. بي. سي" الإنجليزية مع السفير الإسرائيلي في لندن، عندما حاصره المذيع البريطاني حول جرائم الحرب الناتجة عن قصف مدارس تابعة للأونروا، تأكدت أن تراث القبح في وجه إسرائيل غائر في ضمائر مثقفيها، فلم يبد على السفير أي إحساس بالذنب تجاه الجرائم بل واصل التبرير الحقير.