ندخل القرن الحادي والعشرين وسؤال القبيلة ما زال ثقيل الوطأة في حياتنا السياسية. أين تقع القبيلة في التكوين السياسي والاجتماعي في الشرق الأوسط، وما موقعها من السلطة، أو، وأيضا، ما هي سلطتها الراهنة، وإلى أي حد ما زالت فاعلة في مشهد "الدولة/الأمة" الذي بدا وكأنه ورث كافة التكوينات ما قبل الدولاتية في المنطقة كما في غيرها؟ ليس هذا فحسب ما يحاول فالح عبدالجبار وهشام داوود التعرض إليه في كتاب مهم حول السلطة والقبيلة في الشرق الأوسط، صدر حديثا. بل أبعد من ذلك تحاول الدراسات المعمقة التي يضمها الكتاب إعادة النظر في مقولات ونظريات ومسلمات عدة إزاء القبيلة العربية تحديدا وكيفية النظر إليها وموضعتها أنثربولوجيا وسوسيولوجيا في سياق التاريخ العربي، القديم والمعاصر. وإعادة النظر هذه ليست تمرينا أكاديميا ترفيا، بل لها منعكسات عملية تفيد في فهم علاقة القبيلة بالسلطة في العديد من البلدان العربية، من المغرب الأقصى، موريتانيا والمغرب، وحتى الخليج حيث الإمارات والسعودية، مرورا بالعراق وإيران. لكن الحالات الدراسية المذكورة تلك، التي يتعمق فيها مساهمو الكتاب مضيفين معرفة جديدة ومثيرة، لا تتوازى مع الاهتمام الكبير والانحيازي الذي يكرسه الكتاب لحالة العراق. فالعراق، بقبيلته، وسلطته، وكرده، واستعماره، وقوميته، وبعثه، هو الخط الناظم للتحليل من الفصل الأول وحتى الأخير. ليس هذا عيبا في الكتاب، بل ربما مثل ميزته الأهم إذ أتاح التعمق بشكل مدهش في كل جوانب "القبيلة العراقية" وعلائقها وتطوراتها وحتى "تبعُّثِها" الجزئي القسري في حقب تالية.
السؤال المركب الذي يظل الكتاب على تناوش طويل المدى معه، على مدار الفصول برمتها تقريبا، هو كيف ولماذا تعود القبيلة العربية بقوة مدهشة إلى مسرح السياسة والاجتماع في السنوات الأخيرة. ما الذي يحدث وما العناصر الباعثة على حضور القبيلة، ذات التشكيل الإثني ضيق الأفق القائم على رابطة الدم، في عصر تفاقمت فيه الحداثة إلى عولمة متحللة من كل التشكيلات الضيقة والإثنية والدينية؟ كيف نصالح بين عصر معولم، يُقال عنه إن الحدود فيه تتقزم وتنحل، وصعود محير للإثنيات والقوميات والأصوليات المنكفئة على نفسها والمتوترة ضد أي عالم بلا حدود. صحيح أن عملية ووطأة الحداثة ظلت على مدى عقود طويلة تستثير ردوداً وتوترات محلية تختلف أشكالها وأمدية رفضها أو عنفها ضد الحداثة وسياقاتها الهاضمة للمجتمعات قسرا أو طوعاً. لكن تفاقم الرد القبلي في الحالة العربية، كما ترصده مباشرة أو تضمينا، مساهمات الكتاب تفتح أسئلة الحيرة على مصاريعها. فهنا، أي في الحالة العربية، دارت دولة الحداثة العربية الصاعدة من حضن وأنقاض بقايا الاستعمار في النصف الأول من القرن العشرين والرافضة لشكل القبيلة المتخلف من منظورها، دورة كاملة استمرت أكثر من نصف قرن لتنتهي في أحضان تلك القبيلة، متحالفة معها أو خاضعة لها أو موظفة لإمكاناتها. كأنما دورة ابن خلدون في صعود وانهيار الدول حلت بالدولة العربية الحديثة بشكل بالغ القصر وبالغ الإدهاش.
في أجزائه الأولى، يحاول الكتاب التأطير النظري للمقاربات العربية الإسلامية إزاء مسألة القبيلة بشكل عام، في سياق التقليد العربي والإسلامي ومكونات القرابة والقبيلة، وتحليل رؤية ابن خلدون لكل ذلك. نقرأ هنا نقضاً لمسألة أساسية هي التوهم بأن عنصر القرابة الدموية لجهة الأب هو العنصر الحاسم في تشكيل العلاقات القبلية العربية. فالنظرة الخلدونية رأت بالإضافة إلى تلك القرابة معايير اجتماعية وتدخلات جغرافية وتسيُّسات كان لها أيضا دور فعّال في تشكيل الولاءات القبلية وفق خطوط لا تتوافق دوما مع خط النسب الأبوي. وفي نطاق توسيع معنى الولاء القبلي، إلى جهوي وجغرافي ومصلحي ولائي، يبحث الكتاب في أنثروبولوجيا المغرب والصحراء الغربية ليجد راهنية معاصرة للبعد الأنثروبولوجي لفكر ابن خلدون عن طريق تحليل دورات الإحلال القبلي والدولاتي في المغرب. وهنا نرى أن أهمية بحوث ونظريات ابن خلدون لا تتوقف عند المعرفة التفصيلية والدقيقة التي تقدمها حول العصر الذي عاش فيه والجغرافيا التي كتب عنها وتأثر بها (خاصة الشمال الأفريقي). بل إن خلاصاته تمتد زمنيا وتصل إلى الحاضر محافظة على فعالية ووظائفية تفيد في فهم وتفكيك كثير من الحالات الاجتماعية والأنثروبولوجية للقبيلة وعلاقتها مع السلطة.
على أن تلك العلاقة تتجسد أفضل تجلياتها الملتبسة، وتحليلاتها البحثية المعمقة، في الجزء الخاص بالعراق، حيث معالجة "الديكتاتورية والقبلية: نظام البعث والقبائل"، المتضمن ثلاث مساهمات تركز على مسألة القبيلة والسلطة في العراق: "الشيوخ والمنظرون: تفكيك وبناء القبائل تحت حكم الديكتاتورية في العراق بين 1968 و1998"، وكذا، دراسة "دولنة القبيلة، وقبلنة الدولة في حالة العراق" حيث يتم تحليل القبيلة بكونها أداة للسيطرة الحكومية في العراق.
في العراق الحديث، وكما يرى الباحثان، التقطت الحكومات الإيديولوجية أهمية الحضو


