الأزمة الاقتصادية: صراعات واضطرابات
ثقيلة هي الأزمات على الدوام، ومن هنا جاء اسمها من الأساس، واليوم يعيش العالم أزمةً اقتصاديةً خانقةً، طالت الكثير من دوله وستطال في القادم من الأيام جميعها، ولن تدع بيتاً إلا دخلته وكان لها أثرٌ في أهله وحالة ساكنيه، لا المالية فحسب، بل السياسية والاجتماعية والثقافية ونحوها.
لست مختصا بالاقتصاد، وإنما أتابع بقلق تصريحات الخبراء الاقتصاديين الذين بدأوا بالخروج على السطح زرافاتٍ ووحداناً، وكالعادة فلكل منهم وجهة نظرٍ تختلف عن الآخر وبينهم نقاط اتفاق واختلاف. وما يهمني هنا أكثر من غيره هو تأثيرات هذه الأزمة السياسية والاجتماعية والثقافية أكثر من تأثيراتها الاقتصادية المباشرة.
ستنتقل أعداد كبيرة من البشر من الطبقة المتوسطة إلى الطبقة الدنيا، وستنكفئ الدول على ذاتها لتضمن أفضل الحظوظ في الخروج من هذه الأزمة بأقلّ حدٍ ممكن من الأضرار محلياً، وستقلّ المساعدات الخارجية، ويتضاءل الصرف على الميزانيات المتعلّقة بمناطق الاضطرابات والمجاعات ونحوها من الكوارث الإنسانية التي كان العالم يتدخّل فيها غالباً ويستطيع الحدّ من غلوائها بشكلٍ أو بآخر، وستتعب منظمات الحقوق الإنسانية والحيوانية ودعاة الحفاظ على البيئة في الحصول على الدعم، وسيتضاءل تأثيرهم لضعف التمويل، وكذلك ستخفض الدول ميزانيتها لتقتصر على الضروريات وتؤجل الإنفاق على الكماليات. هذه خطوط عريضة لما يمكن أن تصنعه أزمة بهذا الحجم.
ولا يستقيم التنبؤ بآثار هذه الأزمة بعيداً عن الحديث عن مناطق كثيرةٍ في العالم ستشهد اضراباتٍ وصراعاتٍ ربما كانت مريرةً، ستأخذ اهتمام قطاعٍ كبيرٍ من دول العالم، كأميركا الجنوبية وأفريقيا وأوروبا الشرقية وغيرها.
باختصار، سيتغيّر العالم الذي نعيش فيه تغييرات نرجو ألا تكون دراماتيكيةً مؤلمةً، ستصعد على السطح قوىً جديدةً، وستتأثر مكانة دولٍ كبرى، والأقسى من ذلك أن مناطق الاضطرابات -وما أكثرها في العالم- ستكون أكثر اشتعالا، وفي الشرق الأوسط بالأخصّ سيزيد أوارها مع قدرة دولية أضعف لاحتوائها والتعامل معها.
القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي من أهم هذه القضايا، وكان الصرف على هذه القضية يعتمد بالدرجة الأولى على المساعدات الخارجية سواء تلك الذاهبة لإسرائيل أو الأخرى المتجهة للسلطة الفلسطينية أو "حماس"، والصراع بين "منظمة التحرير" و"حماس" أيضاً سيقلّ الصرف عليه وسيضطر الجانبان مع نقص الموارد المادية إلى استعراض قوّتهما بلغة السلاح وسيلقى في نار الأزمة المالية حطبٌ يزيد المنطقة اشتعالا.
العراق، وهو البلد الذي لم يتعاف بعد من آثار الحرب الأميركية، ولا من تبعاتها من حروبٍ طائفيةٍ وتصفياتٍ وتفجيرات أحرقت أخضر العراق ويابسه، هذا البلد سترحل عنه أميركا بقوّاتها وسيكون على أهله أن يضبطوا أمنه واستقراره بأنفسهم، وهم بعد غير مهيَّئين لذلك تمام التهيئة، ولذا فمن المتوقّع أن تضرّ به الأزمة المالية العالمية بشكلٍ بالغٍ.
الصومال بلدٌ مفكّكٌ من الأصل، وهو منذ مطلع التسعينيات يأكل بعضه بعضاً وتعقيداته القبلية والدينية واشتباك مصالح جيرانه فيه ووقوعه في منطقة استراتيجية على باب مضيق باب المندب، كل ذلك زاد ناره اتقاداً حتى لم تكتف تلك النار بأكل أهل الصومال بل طاولتهم إلى غيرهم، وظهرت -وياللمفارقة العجيبة- ظاهرة القراصنة من جديد في القرن الحادي والعشرين! هذا البلد سينقل خرابه مع الأزمة لدول الجوار في السودان وأريتريا وأثيوبيا، ولن تزدهر فيه تجارةٌ كما ستزدهر تجارة الموت، ولن تفوح منه رائحة إلا رائحة الجثث وبارود المقاتلين.
اليمن، وهو الخزّان البشري الفقير في الجزيرة العربية، والذي يعاني من تخلفٍ دائمٍ وفسادٍ عريضٍ، وفوق هذا هو البلد الذي ينتشر فيه السلاح كوباء جماعي، هذا البلد معرّضٌ في أيّ لحظةٍ للتحوّل لمصدرٍ أكثر إقلاقاً للأمن الإقليمي من الصومال وغيرها، وها قد بدأ تنظيم "القاعدة" تجميع صفوفه فيه استعداداً لتدهور الأوضاع أكثر فأكثر مع الأزمة حتى يعيد تنظيم أتباعه ويزيد طين اليمن المضطرب بلةً يسدّ بها أيّ أفقٍ لحلٍ أو بصيصٍ لأمل.
باكستان، وهي البلد الإسلامي الكبير الذي يبلغ تعداد سكّانه عشرات الملايين، هي بلد ينخر فيه التخلّف والتطرف من كل حدبٍ وصوبٍ، ومن قبلهما فساد عريض يعمّ الطبقة الحاكمة بشتى أطيافها، والفرصة متاحة في أي لحظةٍ لإشعاله فتناً لا تنطفئ ومحناً لا تنتهي، والإرهاب فيه وفي أفغانستان هو الإرهاب الذي إن تحوّل إلى العالمية، سيجعل العالم ينسى "القاعدة"، وكل أعمالها الإجرامية، ولا يمكن التنبؤ بما يمكن أن تحدثه الأزمة المالية العالمية فيه من آثارٍ خطيرةٍ، ربما كانت نتيجتها مدمرةً ومهلكةً.
ولنا أن نتوقع ماشاء لنا التشاؤم، وما أرادت لنا الخيالات السيّئة ما يمكن أن يحدث في مصر أو الأردن -التي استهدفها بن لادن بخطابه الأخير- فضلا عمّا يمكن أن يحدث في لبنان وتوازناته التي تتحرك كدمى مسرح العرائس بما شاء لها الآخرون لا بما تشاء هي.
والسودان، ذلك البلد العربي الكبير في شرق أفريقيا، الذي يعاني أشدّ المعاناة من أزماتٍ متعددةٍ لا تنقضي واحدة، إلا وكانت له أخرى بالمرصاد، وهو لا يعدو أن يكون كالتي تنقض غزلها من بعد قوةٍ أنكاثاً، محاكمة دولية شرسة على الأبواب، وتصلّبٌ سلطويٌ لا يعبأ كثيراً بالمواطنين ولا بالشعب، وفتنٌ ومصالح متشابكةٌ تجعل من اليسير جداً خلق الاضطرابات والصراعات، ولن تجدي كبير نفعٍ تلك الاستثمارات الخارجية فيه لتمنعه من التأثر العميق بأزمةٍ عالميةٍ كتلك التي يعيشها العالم اليوم.
هذه مجرّد نماذج سريعةٍ من المنطقة فحسب يمكن أن تخلق الأزمة الاقتصادية فيها مزيداً من الاضطرابات والصراعات، لتزيدها ضغثاً على إبّالةٍ، وتجعل الجمر ناراً والهشيم حطاماً، هذا ونحن لم نتحدّث عن أسعار النفط وعمق تأثيرها، ولم نتطرق للبطالة وتسارع ارتفاع حجمها واتساع مساحتها لتشمل طبقاتٍ واسعةٍ من الشباب الذي يشكّل الشريحة الأوسع من مجتمعات المنطقة، والشباب كعادتهم إمّا أن يكونوا عمود البناء، وإلا أن يكونوا وقود الثورات والاضطرابات.
ستتأخر الخطط التنموية وستتضاءل الطموحات القومية والوطنية في العالم، وسيكون الكفاف حاكماً لا يعصى والبحث عن الهدوء غايةً لاتكاد تُدرَك، وستكون سوق المتشائمين رائجةً وسوق المتفائلين كاسدة -وإنْ إلى حين- وبين هاتين السوقين سيكون القرار لمعطياتٍ متعددةٍ أهمّها القدرة على التعقّل والقراءة، مع حسن الإدارة، والحزم في القرارات، والحذق في الأفعال.
إذا كانت الأزمة المالية العالمية السابقة في 1928م قد أدّت بشكلٍ أو بآخر لقيامٍ حربٍ عالميةٍ، فإن هذه الأزمة وإن لم تؤدّ إلى حربٍ عالميةٍ جديدةٍ، فإن آثارها ستخلق صراعاتٍ واضطراباتٍ لا يمكن استقراؤها مسبقاً ولا تحديد المدى الذي يمكن أن تصل إليه.