هناك اتفاق على أن الأزمة الراهنة، سواء وصفناها بأنها أزمة مالية كما يذهب إلى ذلك الساسة الأميركيون ومعهم بعض الخبراء الاقتصاديين، أو أزمة اقتصادية كما يصفها بعض الثقات من كبار المفكرين الاقتصاديين، فهي بكل المقاييس أزمة عالمية. وفي تقديرنا أن هذه الأزمة العالمية أزمة اقتصادية بالأساس بمعنى أن هناك خللا جسيماً في نموذج الرأسمالية المعولمة الذي طبقت قواعده في العقود الأخيرة وامتدت ممارساته إلى كل بلاد العالم بفضل موجات العولمة المتدفقة في ظل مذهب "الليبرالية الجديدة" الذي روجت له أساساً الولايات المتحدة الأميركية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بل وفرضته فرضاً على مختلف البلاد النامية وبدون مراعاة لظروفها الخاصة، وبغض النظر عن آثاره السلبية على التوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي. غير أنه يخطئ من يظن أن الخلل الذي اعترى معمار النموذج الرأسمالي المعلوم مسألة طرأت حديثاً، لأن التحليل النقدي للموقف، يؤدي بنا إلى نتيجة مهمة هي أن هذا الخلل صاحب النموذج الرأسمالي منذ نشأته. وتكمن المشكلة أساساً في قضية السوق وهو الفضاء الاقتصادي الذي ابتدعته الرأسمالية، وهل يُترك مطلق العنان ينظم نفسه بنفسه وفق آلية العرض والطلب كما ذهب إلى ذلك أنصار الرأسمالية الأوائل، أو ينبغي وضع قيود ما على حرية السوق المطلقة. وإذا اتُفق على أهمية وضع القيود فما هي طبيعتها؟ وما هي الآليات التي يمكن بناء عليها تنفيذها في الواقع؟ الحقيقة أن هذه الإشكالية أبرزها بشكل غير مسبوق المفكر الاقتصادي الشهير "كارل بولاني" صاحب الكتاب التأسيسي "التحول الكبير" الذي صدر في الولايات المتحدة الأميركية عام 1942، وأصبح منذ ذلك التاريخ المرجع في الموضوع حتى الوقت الراهن. استطاع "كارل بولاني" أن يقدم عن السوق نظرية متكاملة، من حيث نشأته التاريخية ووظائفه الاقتصادية وطريقة عمله. ولكن نظراً لنزعاته الاشتراكية تحفظ على فكرة حرية السوق المطلقة التي روج لها غلاة الفكر الرأسمالي وحذر منها مبكراً، مقرراً بوضوح أنها يمكن أن تؤدي إلى مخاطر شتى. وقد أخذ الخيط منه مفكر أميركي من أصول أوروبية تماماً مثله وهو "جوزيف شومبيتر" مؤلف كتاب "الديمقراطية والاشتراكية والرأسمالية" الذي صاغ عن الرأسمالية عبارة شهيرة مفادها أنها تحمل في ذاتها بذور فنائها، لأن التناقض الجوهري الكامن فيها هو جماعية عملية الإنتاج من ناحية وفردية الاستحواذ على الفائض من ناحية أخرى! ويمكن القول إنه لو أردنا التتبع التاريخي لجذور المشكلة لوجدناها في المعركة العلمية والإيديولوجية الكبرى بين العلماء الاجتماعيين الرواد الذي أقاموا صرح العلم الاجتماعي الحديث والذين انقسموا إلى مدرستين، المدرسة المحافظة التي تريد الإبقاء على النظام الرأسمالي والدفاع عنه ومحاولة إصلاح سلبياته بالتدريج وعبر آليات المساومة والتفاوض بين أطراف العملية الإنتاجية ونعني الرأسماليين والعمال، والمدرسة الثورية التي تسعى إلى الانقلاب على النظام الرأسمالي عن طريق ثورة الطبقة العاملة، وإقامة اقتصاد اشتراكي. وتتضح الصورة بجلاء لو تتبعنا النشأة التاريخية لعلم الاجتماع في أوروبا. فقد صاحبت نشأته على يدي "أوجست كونت" معركة فكرية كبرى بين "الوضعية" باعتبارها أيديولوجية الطبقات البرجوازية المحتكرة للسلطة في المجتمعات الأوروبية، وبين الاشتراكية باعتبارها أيديولوجية الطبقة العاملة التي كانت قد أخذت تتزايد في حجمها، ويثقل وزنها مع اتساع نطاق الثورة الصناعية، وتحويل المجتمعات الزراعية إلى مجتمعات صناعية. فقد أخذت هذه الطبقة تعي نفسها شيئاً فشيئاً، إلى أن تبلور وعيها الطبقي نتيجة ازدياد علمية الفكر الاشتراكي وابتكاره أدوات تحليل متقنة، وخصوصاً نتيجة لإسهامات "كارل ماركس" الذي استطاع أن يكشف بعمق وجلاء عن الميكانزم الذي يقوم عليه جماع الاقتصاد الرأسمالي متمثل في "فائض القيمة". ويمكننا أن نجمل الاتجاهات الرئيسية في نظرية المجتمع في القرن التاسع عشر في اتجاهين رئيسيين وهما اتجاه التوازن واتجاه الصراع. كان لاتجاه التوازن رواد هم أقطاب الثورة المضادة في الفكر الأوروبي التي نشأت كرد فعل للثورة الفرنسية. وقد ورث عالم الاجتماع الفرنسي الشهير "أميل دوركايم" الذي ينسب إليه تأسيس علم الاجتماع الحديث تراث نظريات التوازن وحاول أن يضفي عليها السمة "العلمية الموضوعية" وأقام مشروعاً علمياً متكاملا يمكن توصيفه بأنه رد غير مباشر على الفكر الاشتراكي العلمي، لأنه قدم في الواقع ثلاث أفكار أساسية تعد نقضاً للأفكار الماركسية. الفكرة الأولى هي أنه في أي مجتمع هناك ما يطلق عليه الوعي الجمعي. ويريد دوركايم في الواقع بفكرة الوعي الجمعي الإيحاء بأن ما يجمع أعضاء المجتمع أكثر مما يفرقهم، وأنه ليس هناك سوى نمط واحد من المعتقدات والمشاعر يسود في المجتمع. والغاية من هذه النظرية ضرب فكرة "الوعي الطبقي" في الفكر الماركسي باعتبارها إحدى أدوات تحليله الأساسية. أما الفكرة الجوهرية الثانية عند "دوركايم" فهي "التضامن"، وهو يفرق بين "التضامن الآلي" الذي يسود في المجتمعات القديمة والذي يقوم على أساس التماثل بين أعضاء المجتمع، و"التضامن العضوي" الذي يسود في المجتمعات المتقدمة، والذي يقوم على أساس التباين. وهدف دوركايم -في تفسيرنا- من التركيز على فكرة التضامن ضرب فكرة "الصراع" وهي من الأفكار الأساسية في التحليل الاشتراكي. والفكرة الجوهرية الثالثة في نظرية "دوركايم" هي فكرة "الجماعات المهنية" التي اقترح في الطبعة الثالثة من كتابه الشهير "تقسيم العمل الاجتماعي" إنشاءها لحل الصراع في المجتمع، وهي تتشكل في رأيه من ممثلين للرأسماليين والعمال والحكومة في تنظيم واحد للقضاء على ما يسميه الأنانية والشرور! ومن الواضح أن الغرض من هذه الجماعات المهنية ضرب فكرة الأحزاب الثورية العمالية التي تمثل الطبقة العاملة والتي تقود نضالها ضد القوى الرأسمالية. وإذا كان المجتمع بالنسبة لأنصار اتجاه التوازن عبارة عن نسق طبيعي فهو بالنسبة لمنظري الصراع عبارة عن صراع سياسي محتدم بين جماعات متصارعة فيما بينها فيما يتعلق بأهدافها أو بنظراتها الإجمالية للحياة. ومنظر الصراع -إذا ما كان فوضوياً- قد يعارض أي فكرة تتعلق بثبات السلطة أو باستقرار النظام. أما إذا كان ماركسياً ملتزما فإنه لا يعارض فكرة النظام في ذاتها، ولكنه يتطلع لتطبيقها في المستقبل بعد تحطيم المجتمع الطبقي، وإقامة المجتمع الاشتراكي على أنقاضه. وعلى ذلك فالنظام يمكن تحقيقه، ولكن ليس باصطناع وسائل الضبط الاجتماعي، وإنما عن طريق إعادة التنظيم الاجتماعي بصورة جذرية للحياة الاجتماعية كلها. هكذا يتكلم تاريخ الفكر الاجتماعي الحديث، وهو يبرز الحقيقة التي مبناها أن الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة ليست إلا فصلا جديداً من فصول الصراع العنيف بين أنصار التوازن الذين يريدون الإبقاء على النموذج الرأسمالي بغض النظر عن سلبياته وأنصار الصراع الذين يريدون إعادة الصياغة الجذرية لهذا النموذج في ضوء علاقة متوازنة بين واجبات الدولة في الرقابة على الاقتصاد وحرية السوق المطلقة!