ماذا بعد الشيعة والسنة... في العراق؟
كما في مسرحية الكاتب النرويجي هنريك إبسن "الأشباح". هكذا يبدو المشهد الذي خلّفته السياسات الطائفية في نفوس العراقيين: "يلاحقنا ليس فقط ما نرث من أمهاتنا وآبائنا. بل كافة أنواع النظريات القديمة الميتة، وكافة أنواع المعتقدات الميتة، وما شابه ذلك. إنها لا تواصل العيش فعلياً فينا، بل تبيت هناك ببساطة، ولا يمكننا التخلص منها. يكفي أن ألتقط صحيفة، لتبدو، كما لو أرى أشباحاً تنسل ما بين السطور"!
كيف حدث ذلك في بلد لم يشهد خلال ألف عام الماضية سوى ثلاثة نزاعات طائفية قصيرة أحدثتها عمليات غزو وتسلل أجنبي في أعوام 1508، و1623 و1801؟ وهل يمكن إيجاد مخرج من هذا المأزق يحظى بموافقة جميع العراقيين، بغض النظر عن خلفياتهم الإثنية والمذهبية؟ أسئلة أخرى يطرحها تقرير صادر بالإنجليزية عن "المعهد النرويجي للشؤون الدولية". العنوان الرئيسي للتقرير "أكثر من الشيعة والسنة" More than Shiites and Sunnis وعنوانه الثانوي: "كيف يمكن للاستراتيجية ما بعد الطائفية تغيير المنطق وتيسير الإصلاحات السياسية المستديمة؟".
ويستقصي التقرير المعني أساساً بإيجاد خطة عمل للعراق والمجتمع الدولي نطاقاً واسعاً من المسائل، ويدعو إلى "قلب منطق التعامل مع أوضاع العراق رأساً على عقب. بدلا من أن تحث واشنطن المجتمع الدولي على تقديم صك مفتوح للحكومة العراقية ينبغي مطالبتها باتخاذ خطوات تفضي إلى المصالحة الوطنية لقاء الدعم المالي، وأنواع الدعم الأخرى التي تُقدمُ لها".
ويحدد التقرير الانتخابات البرلمانية نهاية العام الحالي باعتبارها المفتاح الرئيسي لتحقيق خطة العمل التي تغطي مواضيع مثل عودة اللاجئين، والإعفاء من الديون، والمعونة الاقتصادية، والعمل مع أوروبا و"الجامعة العربية"، والدعم الانتخابي، وقضايا كردستان، والتفاهم مع المقاومة المسلحة، وسياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، ودور الأمم المتحدة، وبعثة الأمم المتحدة للعراق (يونامي).
وتكمن أهمية التقرير في صياغة 18 توصية تهدف إلى توفير فرص مؤثرة للمجتمع الدولي لدعم جهود العراقيين في وضع أجندات لما بعد النظام الطائفي. بينها توصية للبلدان العربية التي تجنبت المواجهة مع إيران داخل العراق بأن تحاول دعم الأجندة العراقية بخصوص تعديل الدستور. يمكن ذلك عن طريق ربط موضوع إلغاء الديون وإعادة العلاقات الكاملة مع العراق بعملية مراجعة الدستور بالاتجاه الذي يرتئيه البرلمان. وقد تكون هذه الوعود كافية لاجتذاب العراقيين الذين قاطعوا الانتخابات السابقة، ومعهم أيضاً ربما قطاعات مهمة من المقاومة المسلحة.
ويحذر التقرير المجتمع الدولي من "مخاطر عدم استقرار الوضع الراهن في العراق، والذي قد يؤدي إلى اندلاع صراع يستمر سنوات عدة بين إيران، تؤيدها الحكومة العراقية، وبين مختلف أنواع الجماعات المسلحة، وعلى رأسها تلك التي تشجعها القاعدة". ومن شأن هذا التطور، حسب تقديرات واضعي التقرير، أن "ينقل مركز الثقل الجيوبوليتيكي إلى طهران، وما يستتبع ذلك من عدم استقرار المنطقة وتعطيل إمدادات الطاقة العالمية".
في مواجهة هذا الخطر يركز التقرير على أمرين أساسيين، أولهما إيجاد طرق تساعد الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على استعادة مواقع مؤثرة في الأزمة العراقية، وثانياً تشخيص الإجراءات الإصلاحية التي تساعد على تحقيق المصالحة، وذلك بالتركيز على الناس العراقيين، بدلا من السياسيين الانتهازيين، ما يجعل البلد أكثر استقراراً على المدى الطويل وأقل تأثراً بالنفوذ الإيراني.
ومفتاح الاستقرار في العراق هو الإقرار بثبات واستمرارية الوطنية العراقية غير الطائفية كقيمة أساسية لدى معظم العراقيين، ورغم الصورة الشائعة في الإعلام الغربي، فإن الدراسات التاريخية تبين بوضوح أن المشاعر الوطنية العراقية أقوى بكثير من الطائفية.
وينفي التقرير التصور الخاطئ عن الصراعات الطائفية والإثنية الدائمة في العراق، مؤكداً على أن العراق الآمن غير الطائفي، يملك جذوراً تاريخية قوية خلال العهد الملكي والعثماني أيضاً. ويذكر بأن العراقيين يؤيدون التعايش لكنهم لا يرغبون بزرع محاصصة إثنية دينية في نظامهم السياسي. ويؤكد على أن التوصيات حول "مصالح السنة" و"مصالح الشيعة" لا ترضي سوى مجموعة صغيرة من السياسيين الانتهازيين.
ويعتمد التقرير على مساهمات أكاديميين وخبراء عراقيين، بينهم ضياء البكاء، المدير العام السابق لهيئة تسويق النفط العراقية، وعدد من أساتذة الجامعات، بينهم حسن البزاز، وحسن العاني، وهمام الشمّه، ووزراء سابقون، بينهم عصام الجلبي (وزير النفط)، ومحمد الجبوري (وزير التجارة)، وعسكريون، بينهم رعد الحمداني (قائد الحرس الجمهوري سابقاً)، وأعضاء في البرلمان الحالي، بينهم نديم الجابري، وحنين القدو.
يؤكد التقرير على ضرورة اعتراف الولايات المتحدة بأنها اتبعت للفترة ما بين 2003 و2008 استراتيجيات مخالفة لرغبات العراقيين في العيش في بلد موحد، وقد ساهم تركيزها الخاطئ على المحاصصة الطائفية الإثنية في خلق أضخم المشاكل للعراق منذ ذلك الحين. ولا يعتبر تأكيد الرئيس أوباما على الوحدة الوطنية للعراقيين كافياً، وعليه طمأنة العراقيين الذين نأوا بأنفسهم عن العملية السياسية إلى أن واشنطن لن تعرقل قيام عراق غير طائفي.
وكما يقول المثل: "أن تفعل ذلك أخيراً أفضل من أن لا تفعله أبدا"، فطرح موضوع الطائفية جاء متأخراً جداً عمّا فعلته بالعراق. وقد قصّرت معاهد ومراكز البحوث الغربية المعنية عن التحقيق في مسؤولية واشنطن في الترويج للدعاوى الطائفية، واستخدامها كسلاح إعلامي وتعبوي ميداني قبل الغزو وبعده. ولم تحقق في المسؤولية القانونية للإدارة الأميركية السابقة ودول التحالف عما جرى، وفق القوانين والاتفاقات الدولية الخاصة بالاحتلال. ولم تلقِ التقارير الضوء على الطائفية، باعتبارها من أشكال التمييز العقائدي، وأغفلت النتائج الخطيرة للتنظيمات والأفكار والممارسات الطائفية التي أوقعت أضراراً فادحة بملايين السكان، وتقع تحت طائلة قوانين الجرائم ضد الإنسانية، مثل عمليات التطهير الطائفي، وترحيل السكان، وعزلهم في أحياء مغلقة، وممارسة التمييز المذهبي في تولي مناصب معينة في الدولة، كما نصت على ذلك فقرات في دستور عام 2005.
ومأزق الوضع الطائفي جغرافي تاريخي، فليس هناك سوى العراق بعد أو قبل الشيعة والسُنة. تغفل عن ذلك الدراسات الأكاديمية الغربية التي تفترش موضوعها أفقياً. وقد بيّنت ست سنوات من الاحتلال أن العراق كالفوالق الزلزالية يتحرك رأسياً على عمق آلاف الأعوام. وينشط أهم محرك للفكر السياسي في العراق خارج نطاق التأثير الخارجي بأي شكل كان. إنه الحركة الداخلية لتفكير العراقيين من جميع المذاهب والأديان، والتي قد تخبئ مفاجآت زلزالية. قانون هذه الحركة، كما يحدده الشاعر محمد مهدي الجواهري:
"إنما الفكر عارماً بطلُ، أبد الدهر يقتتلُ".
والاختلاف في الاقتتال بين العراقي الوطني والعراقي الطائفي، هو أن الأول مستعد للموت من أجل العراق، والثاني مستعد لأن يميت العراق من أجل طائفته. وفي أوقات كهذه يلوذ القلب الوطني بشعر الجواهري، الذي ولد وترعرع في واحدة من أعرق الأسر الدينية في النجف:
"أنا عندي من الأسى جبلُ، يتمشّى معي وينتقلُ. أنا عندي وإنْ خبا أملُ، جذوةٌ في الفؤاد تشتعلُ".