أوروبا وفلسطين... دبلوماسية التردد
مقابل قصر "توسكان" العريق على قمة الجبل المرتفع الذي يُطل على نهر "فالتافا" المتمدد بتكسل في وسط بديع بجمال مدينة براغ تنتصب بعض أكبر "قلاع" أوروبا، وفي قلبها الكاتدرائية الكاثوليكية التاريخية الطالعة من القرن العاشر الميلادي. ومجموعة القصور والبنايات القديمة تلك وحتى القصر الخاص المملوك حتى الآن من قبل سلالة لوبدكوفيتش تسمى "القلعة"، وهي تمثل تاريخياً مقر الحكم والسيطرة في بلاد التشيك. وفي هذه "القلعة" أقام ملوك وأباطرة عائلات أوروبا الأرستقراطية، وفيها كان لآل هابسبورغ مجد تليد. ومن القلعة أو حولها انطلقت شرارة حرب الثلاثين عاماً الدينية في الربع الأول من القرن السابع عشر بين الكاثوليك المدافعين عن الكنيسة ضد تمرد الهرطقات الجديدة التي ستعرف منذ ذلك التاريخ فلاحقاً بالحركة البروتستانتية، لتنتشر في طول وعرض أوروبا. وقد انتهت تلك الصراعات التي تعتبر المؤسسة لمبدأ "الدولة القومية" بتوقيع معاهدة "سلم وستفاليا" عام 1648، وفيها تم إقرار مبدأ "السيادة" حيث يتدخل الأباطرة والبابوات سواء باستخدام سلطات إمبراطورية أو دينية في شؤون الكيانات والدول المتشكلة.
ولذا فإن براغ خصوصاً -و"التشيك" عموماً- عاصمة ترفل بتاريخ ثري ما كان له إلا أن يتواصل ثراء وتعقيداً... ودماً في القرن العشرين. ففي وسط شرق أوروبا إبان اندلاع حروبها الدموية كانت التشيك أول مطامع هتلر التي احتلها في بدايات توسعه النازي، وقاد ذلك الاحتلال الطويل، لغرابة الظروف، إلى حماية المدينة من الدمار الذي هطل على معظم ما شابهها من مدن أوروبية. وبعد الحقبة النازية حررها السوفييت وأقاموا في "قلعتها" نظاماً تابعاً للكتلة الشرقية، عُرف بالقسوة والشمولية التي عُرفت بها بقية أنظمة تلك المنظومة، ودام طيلة حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي ربيع 1968 ثار طلاب الحرية على "نظام القلعة" الحديدي، وكادوا يقلبونه لولا تدخل الدبابات السوفييتية التي أنهت تلك الثورة بالحديد والنار. وللمفارقة، بعد ذلك بعشرين عاماً كانت تلك الدبابات تحيط بالكرملين نفسه وسط موسكو تراقب سقوط الإمبراطورية السوفييتية ولا تأبه لربيع براغ آخر يحدث في كل عواصم الكتلة الشرقية. وفي أواخر ديسمبر 1989 كان فاكلاف هافل، الكاتب المسرحي التشيكي الشهير والذي صار أحد رموز الثورة على النظام الشمولي، يضع قدمه في "القلعة" التي تطل على كل جهات المدينة لتبدأ صناعة فصل جديد من تاريخ "التشيك" السياسي عنوانه الحرية.
"الحرية" هي القيمة الأغلى والأهم في كل مشروع الحداثة الأوروبي. هي كلمة السر التي رددتها ثورات وتمردات داخل القارة ضد استبدادات الإقطاع والملوك، الكنيسة والباباوات. ولذا فإن شعار الاستنارة الإنسانية الذي أبدعته أوروبا صار حرية الفرد والجماعة، حرية الفكر والدين، حرية السياسة والاجتماع، حرية الإعلام والعقل. فقيمة وممارسة "الحرية" هي المساهمة المشرقة والعنوان الأبرز لذلك المشروع. بيد أن المشروع الحداثوي الأوروبي نفسه امتهن تلك القيمة الأثيرة، "الحرية"، واسترذلها وأهانها خارج الفضاء الأوروبي. حدث ذلك خلال وإبان وبعد الحروب الأوروبية الداخلية الدامية التي أرادت ترتيب جدول القيم، والولاءات، والسيادات، وتحجيم أمدية التدخلات، وتوسيع نطاقات الثروات، حيث كانت أوروبا تطلق جنيّ الاستعمار والإمبريالية متأسساً على كل القيم المضادة للحرية. وعلى مدار قرنين من الزمان وبالتوازي مع ترسخ قيم الحرية أوروبياً ترسخت قيم استعباد الشعوب الأخرى واستعمارها، وانشق المشروع الحداثوي والاستناري الكبير إلى ثنائية تضادية ما زال تناقضها الداخلي يقسم العالم والبشر في تعقل وإدراك المشروع المركب الذي يساند الحرية وأعداءها.
وحتى هذه اللحظة، وحيث تطل قاعة ممتدة في قصر "توسكان" الذي يحتضن وزارة الخارجية التشيكية التي انشغلت مكثفاً خلال الأشهر الستة السابقة بتسلم جمهورية التشيك لرئاسة الاتحاد الأوروبي، تطرح أوروبا مشروعها القيمي بيد، وتصفعه باليد الأخرى. وفي الندوة التي استضافتها هذه القاعة الطويلة كان هناك نقاش عن مستقبل فلسطين بعد حرب غزة. وفلسطين هي الاختبار الأهم والأكبر والأدق لمجموعة القيم الأوروبية التي حاربت هذه القارة طويلا كي تكرسها، لكنها فشلت في اجتياز ذلك الاختبار. فكارثة فلسطين ومأساتها ومأساة تشرد شعبها هي أوروبية الجذر، و"ضمير أوروبا" الأخلاقي الذي تعذب وما زال جراء ما اقترفته القارة وأنظمتها وحتى شعوبها تجاه يهودها، يصيبه تكلس مخجل عند مواجهته بما اقترفته القارة وأنظمتها تجاه فلسطين وشعبها. وخلال حرب غزة انحط الاتحاد الأوروبي بمستويات إضافية تحت مستوى الانحطاط الأخلاقي المعروف لسياسته تجاه فلسطين. فقبيل الحرب بشهرين أو أقل كانت مؤسسات الاتحاد الأوروبي ترفع مستوى العلاقة مع إسرائيل، وتمنحها ميزات تجارية إضافية أصبحت من خلالها الصادرات الإسرائيلية تدخل إلى دول الاتحاد وقد أزيل من وجهها ما نسبته 95 في المئة من العوائق الضريبية. وبعيد الحرب بقليل، أي في فبراير 2009، كان البرلمان الأوروبي يصادق على معاهدة الملاحة الجوية مع إسرائيل وهي ترفع أيضاً من مستوى العلاقة والميزات التي تتمتع بها الدولة المحتلة والباطشة. وإسرائيل هي الدولة التي تتمتع بأكثر الامتيازات سواء التجارية، أو الدبلوماسية، أو الأمنية، أو التعليمية، أو العلمية مع الاتحاد الأوروبي، ولا تنافسها في ذلك أية دولة غير عضو في الاتحاد. هذا فضلا عن العلاقات المتميزة على المستوى الثنائي بين إسرائيل وكل دول الاتحاد التي قادها الانحياز إلى خارج قاعة مؤتمر العنصرية في جنيف مؤخراً عندما وُصفت إسرائيل بما هو فيها: العنصرية.
هذا مع أن الاتحاد الأوروبي، في الوقت نفسه، هو الممول الأكبر للسلطة الفلسطينية والداعم المالي الرئيسي للشعب الفلسطيني: وهذه حقيقة مهمة لا يمكن، ولا ينبغي التغاضي عنها. لكن كل ذلك التمويل لا يصل إلى مستويات الدعم المباشر وغير المباشر الذي تحظى به إسرائيل، سواء عن طريق المعاملة المميزة من قبل مؤسسات الاتحاد الأوروبي أو من قبل دوله الأعضاء منفردة. والأهم من ذلك بألف مرة هو أن ما هو مطلوب من أوروبا ليس تحويل قضية فسطين إلى تبرعات خيرية ودعم إنساني، بل المطلوب موقف سياسي يدعم "القيم الأوروبية" نفسها في فلسطين ضد احتلال وظلم ما زالا مستمرين منذ ستة عقود. والمطلوب من الاتحاد الأوروبي موقف متميز وليس تابعاً لواشنطن من جهة، ولا متأثراً بتل أبيب من جهة ثانية. والمطلوب من الاتحاد الأوروبي التخلي عن السياسة المترددة والتي لا تساوي بين المحتل ومن يعاني من ذلك الاحتلال فحسب، بل وتبرر للمحتل أساليب بطشه ووحشيته كما رأينا خلال الحرب الماضية من تبريرات لها بكونها "دفاعاً عن النفس".
لقد فشلت جمهورية التشيك خلال ترؤسها للاتحاد الأوروبي في أن تُظهر الحد الأدنى من قيم "ربيع براغ 1968" أو "الثورة المخملية 1989"، حتى لا نعود بعيداً في التاريخ ونقول قيم قديسها المشهور وينسيسلاس السلمية والإنسانية والمضادة للظلم واستمرار الحروب. وما نأمله أن تكون الرئاسة الجديدة، السويدية، للستة أشهر القادمة، أخلاقية ومبدئية، ونصيرة لقيم العدل وتتأسى بتركة "أولف بالمه" رئيس وزراء السويد الأسبق الذي اغتيل في الثمانينيات لأنه كان مثل ضمير أوروبا في جانبه المشرق.