الدكتور نبيل صبحي الطويل مفكر إنساني، ينطلق من عقيدته الإسلامية ليضع فكره. ورؤيته وتجربته الطويلة في خدمة الإنسان. ولذلك كان يستمتع بعمله، الذي استغرق عدة عقود من الزمان، في منظمة الصحة العالمية التي تخدم الإنسان حيث كان دون نظر إلى أصله أو لونه أو دينه أو عرقه.
وقد أصدر الدكتور نبيل الطويل كتباً عديدة كان من أشهرها وأكثرها تداولاً بين القراء كتابه اللطيف (أحاديث في الصحة) وهو كتاب يعتبر المدخل الأول لمئات الآلاف من شباب التيار الإسلامي في التعرف على (فقه الصحة) الذي برع في تفصيل كثير من جوانبه رجل عظيم آخر من رجال الصحة العالمية هو الأخ الجليل الدكتور محمد هيثم الخياط.
ومنذ يومين، في أثناء انعقاد مؤتمر القدس الثالث في بيروت، أهداني الأخ الأستاذ لطفي إبراهيم كتاباً جديداً للأستاذ الدكتور نبيل الطويل عنوانه (المشردون في الأرض... غالبية مسلمة). والكتاب أصدرته دار لبنان للطباعة والنشر في طبعته الأولى هذا العام (2004)، وهو يقع في أكثر من ثلاثمائة صفحة ويحاول الإجابة على سؤال وضعه المؤلف على غلاف كتابه يقول:"هل عمليات تشريد المسلمين المستمرة مخططة ومنسقة بين أعداء الخارج وحكام الداخل؟!؟" (هكذا وضع المؤلف علامتي الاستفهام والتعجب!).
الأرقام التي يقدمها الكتاب عن أعداد اللاجئين والنازحين المسلمين لا تكاد تصدّق، ولعله لذلك أسند المؤلف كل رقم إلى مصدر رسمي دولي معني بشؤون اللاجئين. ويقتضي الأمر أن يضع القارئ أمامه خريطة العالم ليمكنه أن يتصور اتساع الرقعة، من الكرة الأرضية، التي تشهد مآسي التشرد - لجوءاً ونزوحاً - في التجمعات السكانية المسلمة.
هذه الرقعة تشمل فلسطين والمنطقة العربية كاملة بما فيها الجزء العربي من شمال إفريقيا؛ وجنوب آسيا (شبه القارة الهندية) وبورما، والصين، والفلبين؛ والاتحاد الروسي ومنطقة القوقاز، وأذربيجان، والشيشان؛ وآسيا الوسطى بما فيها كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان؛ والقرن الأفريقي ومنطقة شرق أفريقيا بما فيها جيبوتي وأريتريا والصومال والسودان وكينيا وأوغندا؛ وغرب أفريقيا بما فيها غانا وليبيريا وموريتانيا ومالي والسنغال ونيجيريا وسيراليون؛ وأوروبا حيث جرت أكبر محاولة للتطهير العرقي والإبادة لدينٍ - في العصر الحديث- في البوسنة والهرسك.
وهكذا لن ينتقل نظر القارئ من بقعة إلى بقعة على خريطة الكرة الأرضية إلا وجد فيها مشردين مسلمين بين لاجئين ونازحين... ولا يزال التشريد - كما يعنون نبيل الطويل فصل كتابه الأخير ـ مستمراً حتى لحظة تقديم كتابه للنشر في يناير 2004!!
تقرأ في كتاب نبيل الطويل أن عدد اللاجئين في العالم بلغ في 20/6/2002 عشرين مليون إنسان، أما عدد النازحين فتراوح في سنة 2001 ما بين عشرين واثنين وعشرين مليون إنسان.
والفرق الوحيد بين النازح واللاجئ - في المصطلح القانوني - أن اللاجئ غادر حدود وطنه الأصلي أو بلد إقامته المعتاد وانتقل إلى مكان آخر لا يربطه به رابط إلا أنه وجد فيه مكاناً يظنه آمناً بعد الذي تعرض له، حيث كان يقيم، من مخاوف عامة أو خاصة. أما النازح فهو، وإن ترك مكان إقامته الأصلي، بسبب مخاوف من أحد النوعين، فإنه لم يغادر حدود بلده الذي كان يقيم فيه، أو الذي ينتمي إليه بجنسيته، ولكنه انتقل فيه من مكان غير آمن إلى مكان يحسبه آمناً.
وهذا الفارق في المصطلح القانوني غير ذي بال. إذ نحن في الحالين أمام أعداد من بني آدم لم يعودوا يحْيون كما كانوا يحْيون. وتركوا مضطرين ديارهم وممتلكاتهم، وأحياناً غالبية أهليهم، ليفروا بحياتهم من خطر داهم.
واللاجئون قد يكونون أحسن حالاً من النازحين.
فاللاجئون يجدون فور اللجوء منظمات الإغاثة الدولية تنتقل إليهم وتحاول بقدر وسعها أن تلبي ما يمكنها تلبيته من حاجاتهم الأساسية. لكن النازحين، وهم داخل بلدانهم، لا تستطيع يد العون أو الغوث أن تصل إليهم إلا بإذن حكوماتهم المسيطرة على أراضي تلك البلدان. وقد يكون سبب النزوح هو الاضطهاد الذي تعرضوا له على يد تلك الحكومات نفسها وعندئذ فالغالب أن يعتبر من يمد للنازح يد العون معادياً للحكومة ويتعرض ـ كما يتعرض النازح نفسه ـ إلى اضطهاد، قد لا يحتمله، فينزح هو الآخر أو يهرب خارج بلده فيتحول إلى لاجئ!!
واللاجئون والنازحون محرومون من أبسط الحقوق الإنسانية، والذي أتيح له أن يزور أماكن تجميع اللاجئين في أثناء الحرب البوسنية علم مدى المبالغة السينمائية، أو الإعلامية عموماً، في وصف اليهود لما كان يحدث لهم في معسكرات النازية، فالذي عاشه مسلمو البوسنة في معسكرات لجوئهم يزري بكل ما صورته آلة الإعلام الصهيونية عن النازحين اليهود في ظل النازية، أو الذين عاشوا في معسكرات الاعتقال تحت حكمها.
والذين زاروا معسكرات (مخيمات) اللاجئين الفلسطينيين في البلاد العربية المحيطة بفلسطين عرفوا أنواعاً من المعاناة لم تكن تخطر ببالهم - مهما شط بهم الخيال- يعيشها أهلنا الفلسطينيون منذ هُجِّروا من قراهم ومدنهم في 1948 وفي 1967، و


