في ندوة فاس بالمغرب عام 2001 ، تناول باحثان، هما د. أحمد يوسف أحمد من جامعة القاهرة ود. محمد جابر الأنصاري من البحرين، "تحليل الواقع العربي من منظور المشروع الحضاري". وقد عرضنا على امتداد عدة مقالات آراء الأستاذين الفاضلين، وما لنا من ملاحظات على بعضها، ضمن عرضنا لوقائع ندوة "المشروع الحضاري النهضوي العربي". ونود فيما يلي أن ننتقل إلى التعقيبات والردود والمناقشات التي تلت إلقاء الورقتين المهمتين. كان التعقيب الأول للدكتور حسن نافعة، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة، فلاحظ أن د. الأنصاري قد اختار لغة وأسلوباً "أقرب ما تكون إلى لغة وأسلوب العلاج بالصدمات الكهربائية وجلد الذات. لقد ركز على السلبيات، ولم ير تقريباً غير الجزء الفارغ من الكوب". وأضاف: "هناك عبارات تكررت تبدو قوية على نحو مفرط وربما شديدة القسوة: مجتمع متخلف، وعقل جامد، انحطاطية تاريخية، أزمة أخلاقية عامة، غياب السلوك المعرفي...إلخ. بل إنه قال، وأنا أورد النص: "قبل أن يحاول المصلحون كنس الامبريالية والصهيونية، عليهم أن يطالبوا الناس بكنس الأوساخ من بيوتهم ومدنهم..." إلخ. أما د. أحمد يوسف أحمد، فقد اختار لغة محايدة، وحاول رصد السلبيات والإيجابيات معاً، وكما رأى الجزء الفارغ من الكوب حرص على أن يشير إلى الجزء المليء وابتعد عن الأحكام المطلقة". والذي أوجد هذا الفارق في أسلوب الأستاذين في اعتقادي، والذي لاحظ د. نافعة بعض تجلياته وعباراته "شديدة القسوة" كما وصفها، هو التوجه الأكاديمي والبقاء في دائرته لورقة د. يوسف أحمد، واختلاط التوجه الإصلاحي والسياسي بالأكاديمي في الورقة الثانية، ورقة د. الأنصاري. ولكن هل العلاج الذي يقدمه ناجع؟ لا يكتفي د. نافعة بالملاحظة الأولى، بل يلاحظ عدم التكافؤ بين المشكلة الضخمة التي يعرضها د. الأنصاري في ورقته من جانب، والحل الذي يتقدم به من جانب آخر! فهو يرى أن الإصلاح والتطور المتدارك هو الحل، وليس الانقلاب أو الثورة. ولذلك نرى د. الأنصاري يطالب بجبهة وطنية متحدة تضم كل التيارات الفاعلة في الساحة العربية، إسلاميين، وعلمانيين، وقوميين...إلخ، للتصدي لهذه المهمة التاريخية. وهنا، يضيف د. نافعة، "أريد أن أدلي بملاحظة لأنني أرى أن هناك مفارقة كبيرة جداً بين راديكالية التشخيص وإصلاحية العلاج، فالتشخيص راديكالي جداً، أما العلاج فهو إصلاحي. فالدكتور الأنصاري يرى أن البنية الاجتماعية العربية والعقل العربي ذاته هما المشكلة. فالبنية فاسدة في الأساس، ولا أدري كيف يمكن معالجة بنية فاسدة إلى هذه الدرجة ومتخلفة إلى هذه الدرجة بأسلوب إصلاحي ومتدرج"؟! فكأن د. نافعة يقول عن د. الأنصاري أنه يشخص جملة من الأورام والانسدادات الخطيرة في جسد المريض، والتي قد تؤدي به إلى الموت إن لم يعالج جراحياً وبوسائل طبية معقدة، ولا يصف له في نهاية المعاينة والتشخيص سوى بعض الحبوب والضمادات والتمارين العضلية! ويضيف د. نافعة: "أما بالنسبة للمطالبة بجبهة وطنية متحدة، فإنني أرى أن هذا الحل قد يكون مقبولا جداً، بل سليماً جداً، من الناحية النظرية، ونتمنى أن يكون ممكناً وقابلا للتطبيق. لكنه نوع من الحل الذي يبدو مثالياً، بل أقول يُشكِّل مهمة مستحيلة، لأن أحزابنا وتياراتنا السياسية والفكرية التي أنتجتها ثقافة متخلفة، لن تصحو وتشفى من تخلفها وتقرر وتعي أن تتحالف من أجل هذه المهمة المقدسة؟ الحل يبدو لي حسب تشخيص الدكتور الأنصاري له، حلا على طريقة السينما الأميركية أو طريقة هوليوود إلى حد كبير جداً، مهمة مستحيلة لا يستطيع أن يقوم بها إلا بطل أميركي على طريقة هوليوود. من الذي سيقوم بالتغيير؟ وما هي القوى التي تستسمح بهذا التغيير"؟ ويمكن التنويه كذلك إلى أن ورقة د. الأنصاري تتضمن إشارة إلى أبرز كتبه في مجال "نقد الواقع العربي في أبعاده التاريخية والمجتمعية" ومن هذه الكتب "تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية"، 1994، و"التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام"، 1995، و"العرب والسياسة: أين الخلل؟"، 1998. وقد تضمنت أفكاراً نهضوية حقيقية، لا يمكن أن تجد للأسف الترحاب في "ندوات العرب".. ولكن هذا بحث آخر! أما مآخذ د. حسن نافعة على ورقة د. أحمد يوسف، فتتركز على عرض د.أحمد لـ "معضلة القطرية والقومية"، على اعتبار أن القضية المطروحة الآن، كما ذكرنا في مقال سابق، لم تعد تجاوز الدولة القطرية بالوحدة، بل كيفية حماية الدولة القطرية نفسها من التفكك. ويقول د. نافعة إنها "معضلة المؤسسية". فكيف يمكن بناء أي نظام إقليمي في ظل غياب مؤسسات محلية؟ ثم هناك "معضلة التوازن" حيث تختلف الدول العربية في أوزانها وأحجامها، وبالتالي لابد من أن يكون هناك حل سياسي لمعضلة الاختلاف في الأوزان والأحجام. وهناك ثالثاً "معضلة الخلاف بين الفصائل القومية"، حيث ينتبه د. نافعة إلى أن د. أحمد قد "طرح المشكلة ولم يطرح الحل". د. نافعة يحاول في ختام تعقيبه أن يعرض للفروق الأساسية بين الورقتين سواء من حيث التشخيص أو وسائل العلاج، ويرى أن الورقتين تكمل إحداهما الأخرى. "فالدولة القُطرية حقيقة واقعة لا يمكن للمشروع القومي أن ينهض إلا بالتسليم بها، والاعتراف بها، بل احترامها والبناء فوقها. فالدولة القطرية هي اللبنة الأولى في المشروع القومي". أما النقطة الثانية، يقول د. نافعة، فهي "إن وجود أمة عربية واحدة هو وجود حقيقي وليس وهماً أو أسطورة، بصرف النظر عما إذا كان هناك وعي دائم بهذا الوجود أم لا....لكن الوعي بالأمة وعي حقيقي وموجود". والنقطة الثالثة التي يؤكدها د. نافعة في تقديره الشخصي فهي أنه "لا يوجد أي تناقض حقيقي بين المصالح الوطنية أو القطرية وبين المصالح القومية". وهذه "الحقائق الثلاث" حول القطرية والقومية يرددها الكثير من دعاة الوحدة الفورية والمتدرجة، منذ سنوات طويلة، ولكنهم للأسف لا يلتفتون إلى "حقائق أخرى" في الواقع العربي، كالتي أجهضت محاولات الوحدة المتكررة، أو التي يشير إليها معارضو الوحدة، أو على الأقل دعاة التريث في إقامتها. فصحيح مثلا أن الروابط اللغوية والثقافية والتاريخية والدينية بين الدول العربية أقوى منها بين الدول الأوروبية المتعددة القوميات والمعقدة التاريخ والغارقة في الحروب. ولكن هل توقفنا فترة كافية لتأمل الواقعية السياسية والاقتصادية والقانونية التي يدير بها الأوروبيون شؤون اتحادهم، والعاطفية والمثالية التي لا تزال تتحكم بالمثقفين القوميين والتقدميين والإسلاميين في بلدان العالم العربي.. وفي ندواتهم؟ هل سيقف قادة العروبة ومفكرو "الوحدة العربية الخالدة" إزاء من يرفض الوحدة، أو يخاف منها، أو يتوقع أن يخسر بسببها الكثير من المصالح.. نفس موقف مؤيدي الاتحاد والاندماج الأوروبي.. من معارضيها؟ عندما يثار موضوع انضمام أي دولة أوروبية إلى اتحاد تلك القارة، يتم التعامل مع القضية من زوايا سياسية واقتصادية وبشرية وقانونية ومصلحية. ونرى في الواجهة المؤسسات الرسمية المختصة وأهل الاقتصاد ورجال السياسة والقانونيين المحايدين، الذين قد يكونون ألماناً أو فرنسيين أو من الطليان أو الإسبان. ولا نقرأ بهذه المناسبة المجيدة بعد أن يتم قبول هذه الدولة البيانات المتضامنة والبرقيات المرفوعة، ولا تتم الدعوة إلى تسجيل المواقف وندوات التعاطف، بل يتم التعامل مع المسألة ببرود الحقائق والأرقام، وبواقعية سياسية، لا نراها على الإطلاق في ثقافتنا السياسية. ولهذا يبقى فكرنا السياسي سابحاً في المثاليات والتمنيات، ويهمل مثقفونا، بعكس ما أوصاهم به د. محمد أركون أو د. فهمي جدعان أو غيرهما بالتركيز على "التأسيس العلمي للأفكار" وعدم الوقوع ضحية لـ "التضخم الأيديولوجي".