بدأت تشغل الناس، وتملأ وسائل الإعلام، أنباء اجتماع الدول الثماني الصناعية الكبرى الذي سينعقد في ولاية جورجيا الأميركية يوم 8/6/2004 لمناقشة مبادرة الولايات المتحدة الخاصة بالإصلاح في الشرق الأوسط.
وقد أريق مداد أكثر بكثير مما تستحقه هذه المبادرة، وأرهق كتاب ومفكرون أنفسهم في الدفاع عنها أو في مهاجمتها، وكأن الذي يمكن أن يقال معها أو ضدها قد قيل كله فلم يعد ثمة مجال لمزيد.
لكن الجديد اليوم هو "فزورة" الدعوة الموجهة إلى القادة العرب والمسلمين لحضور اجتماع قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى. ووجه كونها "فزورة" أن أحداً حتى الآن لا يعرف حقيقة هذه الدعوة، وإلى من تم توجيهها. ففي أثناء القمة العربية في تونس تناثرت أنباء تفيد أن الدعوة وجهت إلى "القادة العرب" لحضور اجتماع جورجيا، وأن الزعامتين المصرية والتونسية قد اعتذرتا عن تلبية الدعوة.
ثم في اليوم التالي مباشرة صرَّح مصدر أميركي مسؤول بأن الدعوة لم توجه أصلاً إلى مصر أو تونس، وأضاف، ولا إلى المملكة العربية السعودية!
بعد يومين نشرت الصحف العربية، نقلاً عن وكالات الأنباء من واشنطن، ودون تحديد لاسم وكالة بعينها، أن الدعوة وجهت إلى قادة الجزائر والبحرين والأردن واليمن (من الدول العربية) وإلى رئيس أفغانستان المعين من قبل الأميركيين حامد كرزاي. وجاء في هذا الخبر أن هؤلاء الخمسة سوف يقابلون جورج بوش يوم 9/6/2004. وأضافت صحيفة الأهرام، في نقلها لهذا الخبر في عددها الصادر يوم 26/5/2004 أن أحمد ماهر وزير الخارجية المصري كان قد أعلن اعتذار مصر وتونس عن عدم المشاركة في قمة الثُماني!
وهكذا بقيت "فزورة" الدعوة والاعتذار قائمة. ثم تأتي بعدها "فزورة" الدعوة المعلن توجيهها من قبل الرئيس الأميركي إلى رؤساء الجزائر واليمن وأفغانستان، وملكي البحرين والأردن. الجزائر من المغرب العربي، واليمن والبحرين من الجزيرة العربية والأردن من وسط الشرق العربي، وأفغانستان من أقصى الشرق الإسلامي، فهل يعكس هذا الاختيار محاولة لضرب المقاومة العربية لفرض البرامج الأميركية ـ المسماة بالإصلاحية ـ من الخارج؟ وهل رأى الرئيس الأميركي أو مستشاروه أن تطويق العالم العربي بطوق أوله في أقصى المغرب (الجزائر) وآخره في أقصى الشرق (أفغانستان) ونقاط ارتكازه في الوسط (الأردن) والجزيرة العربية (اليمن والبحرين) كفيل بأن يفسد المحاولة العربية لرفض الهيمنة الأميركية على المنطقة؟
ولماذا جرى تجاهل ليبيا وهي الآن على أكمل وجوه الاستجابة لجميع المشروعات الأميركية، من ترك برامجها التسليحية إلى الإفضاء بجميع أسرار من تعاملوا معها في عهدها الثوري "للعدو الإمبريالي الاستعماري" بلغتها آنذاك؟؟
وأين من التأثير الذي يمكن أن تحدثه الأردن والبحرين واليمن التأثير الذي سيكون لدول مثل مصر والمملكة العربية السعودية والسودان والمغرب؟
وكيف تظن الولايات المتحدة أن هذه المشاركة الخماسية يمكن أن تقدم حلاً لمعضلة الاستعمار الصهيوني في فلسطين أو الاستعمار الأميركي/ البريطاني (الذي تسعى الدولتان إلى تدويله) للعراق؟؟
وأي مشروع إصلاح يمكن أن يقبل شعبياً إذا تجاهل القضية الفلسطينية و احتلال الأراضي اللبنانية والسورية؟
وأين من هذه الدعوة الخماسية دولة قطر وهي صديقة للولايات المتحدة الأميركية وفيها أكبر القواعد الأميركية في المنطقة العربية قاطبة؟ وفي قطر سعي حثيث معلن للتحول نحو الديمقراطية، وإشراك المرأة في الحياة العامة، وتطبيق سيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، والانفتاح على العالم من قطبه إلى قطبه؛ فكيف أُهملت دعوتها على الرغم من ذلك كله؟
وأية مصداقية لنظام الحكم في أفغانستان ـ تجعله نموذجاً يحتذى إسلامياً ـ وهو نظام فرضه الاستعمار الأميركي ولا يستطيع أن يبقى لحظة إذا سقطت عنه الحماية الاستعمارية الأميركية؟؟
والخبر المنشور في صحيفة الأهرام يقول إن هؤلاء القادة الخمسة سيلتقون برئيس الولايات المتحدة يوم 9/6/2004.
ولا أشك في أن هذا اللقاء سيكون على وليمة غداء أو عشاء ـ رداً من جورج بوش لبعض الكرم العربي ـ يلقي خلالها إليهم أو إلى كل منهم برؤيته للدور الذي يجب أن يقوم به الرئيس أو الملك المعني في تـنفيذ الخطة الأميركية للإصلاح. ولا أستطيع أن أتصور قط أن أياً من الملوك والرؤساء سوف يستسيغ الطعام الذي يقدم في هذه الوليمة، أو يستطيع استيعاب الدور الذي يعهد به إليه، أو يتصور إمكان قيامه به. ولا يمكن لخيالٍ، مهما شطَّ، أن يستحضر موقف هؤلاء القادة أمام شعوبهم، وأمام الشعوب العربية كافة، بل أمام ذوي الرأي في أي مكان من العالم وهم ـ بعد أن يعودوا من جورجيا ـ سيصبحون رسل الولايات المتحدة لإصلاح بلادهم على النموذج الذي تريد أميركا أن يعمم على العالم العربي كله.
إن بعض قادة العرب قال في تونس إن المبادرة الأميركية ستفرض نفسها ولابد من التعامل معها. وهذا القول يصح ويصدق إذا كان القادة العرب كلهم، والشعوب التي يحكمونها، بالميراث أو بالانقلاب


