نقد "المشروع النهضوي العربي"
تقول مقدمة "المشروع النهضوي العربي" الذي صدر مؤخراً عن مركز دراسات الوحدة العربية إن فكرة المشروع بدأت في التبلور منذ 1988، وإن باحثين بدأوا عمليّاً في تقليب وصياغة أول أفكاره عام 1996، ثم تطور تشكله في ندوات ولقاءات في السنوات اللاحقة إلى أن صدر كما هو بين أيدينا الآن. ومعنى ذلك أنه خلاصة تداول فكري وبحثي امتد على مدار عقدين من الزمن، أو أربعة عشر عاماً على أقل تقدير. وعليه لنا أن نتوقع أن ما يتضمنه هذا المشروع يتصف بالصلابة والدقة والتمحيص الذي تتيحه كل تلك السنوات، وتوفره إسهامات كل أولئك المشاركين وندواتهم من بيروت إلى القاهرة إلى فاس وغيرها. والكتيب الصادر حديثاً يقدم إذن رؤية القوميين العرب لراهن ومستقبل العالم العربي تحت عنوان "المشروع النهضوي العربي"، ويستحق وقفات نقدية موسعة لما فيه من طروحات بغية إثراء النقاش العام حول الحاضر والغد العربي، وهو ما سنحاول هنا في سلسلة مقالات القيام به.
يفصل الكتيب بإسهاب المنطلقات الفكرية والرؤى النظرية التي "يجب" أن يستند إليها "المشروع النهضوي العربي" الذي يجتمع حوله القوميون. وبغض النظر عن الموقف من المشروع برمته أو مكوناته ينبغي القول ابتداءً إن إصدار أي تيار سياسي وفكري في المنطقة العربية رؤيته بتفصيل ووضوح كافيين للنقاش العام هو خطوة إيجابية تستحق الإشادة. فهنا نستطيع التعرف على معالم الفكر السياسي والتطلع المستقبلي واختبار الأفكار ونقدها وكذا فحص آليات التطبيق. إضافة إلى ذلك نمتلك أدوات لنقد ومحاسبة أي تيار بناء على إعلاناته الفكرية والسياسية، وهذا وحده، يعمق تداول الأفكار ونقاشها والسجال حول إمكانيات تطبيقها ومدى واقعيتها وخدمتها للجمهور الذي تستهدف خدمته. وقبل الشروع في تأمل ونقد ما جاء في "المشروع النهضوي العربي" ربما جاز التمني هنا على بقية التيارات السياسية أن تطرح للجمهور رؤاها "النهضوية" بعيدة المدى تحت الشمس وللنقاش العام أيضاً. نريد أن نرى ما يمكن أن يسميه الإسلاميون "المشروع النهضوي الإسلامي"، وما يمكن أن يسميه اليساريون "المشروع النهضوي اليساري"، وما يمكن أن يسميه الليبراليون "المشروع النهضوي الليبرالي".
والشيء الذي يميز التيار القومي العربي في الوقت الراهن، ويمكنه من إصدار مشروعه المُقترح لنهضة العرب، هو وجود تجمع وقطب فكري وسياسي يتحدث باسم القوميين يتمحور حول "المؤتمر القومي العربي" و"مركز دراسات الوحدة العربية" في بيروت. ولا يتمتع أي تيار آخر في المنطقة العربية، يروم التعبير الجماعي عن مكوناته أو فروعه في العالم العربي، بناطق رسمي أو قطب فكري وسياسي يستطيع الزعم أنه يعبر باسمه عن رؤية جماعية عابرة للحدود الوطنية. وحتى جماعة "الإخوان المسلمين" التي لها فروع ربما في كل الدول العربية تعاني من حيرة وارتباك مثير عند مواجهة سؤال ما بعد الوطنية. بمعنى أنها لا تطرح مشروعاً أو رؤية تفصيلية على مستوى العالم العربي أو الإسلامي تقول فيها ما الذي تعمل على تحقيقه في كل فضاء من الفضاءات: الوطني، والعربي، والإسلامي. والأمر نفسه ينطبق على قوى اليسار والقوى الليبرالية التي هي أضعف بكثير من التيار الإسلامي، ويشتغل ويُستنزف كل منها في دائرة الفضاء الوطني. ولكن ينبغي ألا يمر هذا من دون أن نذكر أنفسنا بأن وجود عنوان فكري وسياسي ونخبوي للتيار القومي وإن كان يقدم ميزة تفضيلية فإنه لا يعكس بأي حال من الأحوال ميزة تفوق من ناحية القوة والتأثير. بل ربما العكس تماماً، أي أن غياب أحزاب وحركات قومية فاعلة في كل بلد من البلدان العربية أتاح بروز نخبة قومية تتحدث باسم تيار قومي (غير موجود بالمعنى الفعلي على الأرض) حيث لا توجد خلافات أو صراعات حقيقية بين تلك الأحزاب المُفترضة على من يمثل من، ومن ينطق بماذا.
وفي كل الأحوال تتوفر لدينا الآن وثيقة فكرية مهمة تنقل السجال حول الفكر القومي العربي إلى مرحلة أكثر معاصرة، وتكرس عنوان الفكر القومي في الوقت الراهن. فإن كنا في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات تعين علينا أن نتابع أدبيات الأحزاب القومية، أو منظري القومية العربية الكبار حتى نستكشف معالم وتطورات الفكر القومي العربي، فإن من يقوم بذلك الدور الآن هو الأدبيات التي تصدر عن المؤتمر القومي العربي و"مركز دراسات الوحدة العربية". والفرق الكبير والملفت بين الحالتين هو عدم وجود حامل سياسي (حزب فاعل، أو سلطة حاكمة) في الحالة الثانية أي الحالية يمكن أن يطبق الأفكار التي ترد في الأدبيات. كما أن ثمة فرقاً كبيراً آخر يتمثل في جماعية التعبير عن الفكرة وعدم نسبتها لفرد أو منظر محدد. فـ"المشروع النهضوي العربي" لا يكتبه منظر واحد ننسب إليه الأفكار. فليس هنا أي ساطع حصري، أو ميشيل عفلق، أو منيف الرزاز أو عبدالله الريماوي. بل هناك نص جماعي يستقوي بسمته العامة والجماعية تلك، لكنه في الوقت ذاته يتيح إمكانية المراوغة والتفلت لأي مُساهم شارك في صياغته بالقول إنه وافق على هذا الجزء ولم يوافق على ذاك. وهي مشكلة دائمة تواجه النصوص المشتركة حيث تضيع المسؤولية الفكرية ويتم التهرب من المآزق الحقيقية فيتعثر السجال ولا يعود النقاش غنيّاً.
ويتوزع "المشروع النهضوي العربي" على ثمانية فصول هي "في ضرورة النهضة"، و"التجدد الحضاري"، و"الوحدة، و"الديمقراطية"، و"التنمية المستقلة"، و"العدالة الاجتماعية"، و"الاستقلال الوطني والقومي"، و"آليات تحقيق المشروع". وكل فصل من هذه الفصول يستحق نقاشاً مستقلاً وموسعاً، وهو ما سنقوم به تباعاً في المقالات التالية. ولكن من المهم والمفيد الإشارة إلى بعض الملاحظات النقدية التقديمية العامة. وأولاها الاهتمام البارز والمركزي بقضية الديمقراطية وأولويتها وموضعتها في قلب الأفكار التي يتبناها المشروع. وهذا يعد نقلة أساسية ومهمة في الفكر القومي العربي الحديث مقارنة بالمشروعات القومية الكلاسيكية التي وإن اهتم بعضها بالديمقراطية فإن ذلك الاهتمام بقي هامشيّاً وجزئيّاً. والملاحظة الثانية النزعة التوفيقية التي غلبت على المشروع حيث أراد صياغة مشروع يكون محط توافق قومي، إسلامي، يساري، ليبرالي. وبسبب هذا الهاجس الذي بدا كبيراً في أذهان من صاغوا المشروع فإن خلاصاته التوافقية الهادفة إلى بناء "كتلة تاريخية" ظلت تتسم بالعمومية والغموض الذي أريد منه أن يرضي كل الأطراف. ولم تكن هناك حاجة إلى مثل هذه المغامرة الفكرية الفاشلة مُسبقاً، إذ لا يمكن صوغ مشروع فكري توافقي. وإذ يمكن الوصول إلى توافقات سياسية جبهوية مؤقتة أو مطولة تتسم بتنازلات مُتبادلة، فإن من الصعب جدا ًإن لم نقل من المُستحيل الوصول إلى توافقات فكرية بين أطراف تحمل برامج وأيديولوجيات متناقضة. ومحاولة التوفيق الفكري شلت كثيراً من نصوص "المشروع" وأبقتها في منتصف الطريق، كما سنناقش ذلك لاحقاً. ولذا كان حريّاً بـ"المشروع النهضوي العربي" أن يقدم رؤية القوميين العرب وحدهم من دون لبس، ومن دون محاولة أو ادعاء تمثيل بقية التيارات الفكرية والسياسية في المنطقة العربية. وكل تيار من تلك التيارات يعبر عن رؤيته الخاصة بطريقته المنفصلة، وعندها نستطيع أن نساجل كل فكرة على حدة، ويستطيع الجمهور أن يُفاضل بينها ويحكم. وللحديث بقية.
Summary