التيار الصوفي والمستقبل
لا يحتاج تعويل الولايات المتحدة على بعض تيارات "التصوف" ليصبح هو الطريق الأوحد للإسلام إلى دليل، فواشنطن تتصرف بما يعزز هذا المسلك، ويقوي شوكته، في إطار استراتيجيتها الرامية إلى تحجيم الجماعات والتنظيمات المتطرفة، وفي معيتها التفكير والتدبير السلفي، الذي ينتهي دوما إلى خلاف مع واشنطن.
ورغم أن للمتصوفة تحفظاً شديداً على الكثير من ممارسات واشنطن، فإنهم لم يقفوا ـ حتى الآن ـ في صدارة المشهد المعادي للولايات المتحدة، بل إن حرص الكثيرين منهم على العمل مع الأنظمة الحاكمة، جعلهم في مؤخرة صفوف حركة "الإحياء الإسلامي"، التي تدخل في تحد حضاري للمشروع الغربي برمته على مدار النصف الأخير من القرن العشرين. ولم تكن هذه التصرفات بعيدة عن أعين الأميركيين، ولذا أخذوا ينظرون إلى الصوفية من زاوية مختلفة، وراحوا يبنون على أساسها آمالهم في تقليم أظافر الجماعات المتشددة التي تناوئهم، وتغذي أفكار وممارسات تنظيم "القاعدة"، وكل من يدور في فلكه، أو يعمل على شاكلته.
وبالتالي فإن واشنطن تريد أن تضرب بالصوفية ثلاثة عصافير بحجر واحد، الأول يرتبط بتصور الأميركان أن الصوفية قادرة على استيعاب العلمانية، قياساً إلى تجربة "النقشبندية" في تركيا. ومن هنا فإن الصوفية هي التجلي الإسلامي القادر، من وجهة نظر واشنطن، على حمل منظومة القيم الديمقراطية، والتي باتت جزءاً لا يتجزأ من أدوات السياسة الخارجية الأميركية على مدار عشرين عاما تقريباً، استعملت فيها الإدارات التي تعاقبت على حكم البيت الأبيض الحديث عن الحرية وحقوق الإنسان لخدمة مصالح الإمبراطورية المنفردة بالهيمنة على العالم المعاصر، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي أوائل تسعينيات القرن المنصرم.
أما الثاني فهو استغلال التقرب إلى التصوف في تحسين صورة أميركا لدى العرب والمسلمين، والتي قبّحها انحياز واشنطن السافر لإسرائيل، واحتلالها المباشر للعراق وأفغانستان، وغير المباشر أو بالوكالة للصومال، وتهديدها لبعض الدول العربية والإسلامية، ومساندتها للعديد من الأنظمة غير الديمقراطية في المنطقة.
وهذه الأهداف الأميركية واضحة للعيان، وتكاد تكون غاية للغرب برمته، فها هو برنارد لويس الذي يعد المفكر الأول لليمين المسيحي الأميركي المتطرف يكشف عن سعي الغرب منذ زمن لتمكين التصوف والمتصوفة، بما يؤهلهم لكبح "الإسلام السياسي"، ويوافقه الرأي دانيال بايبس، وهو يحمل الأفكار نفسها. ويتفق المستشرق الفرنسي المسلم إريك جيوفروي معهما من حيث الشكل فيرى أن الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي تتوسل بالصوفية لمحاربة الظاهرة الإسلامية المسيسة، بما أغرى الغرب في انتهاج الطريقة نفسها. ويصل الأمر عند المستشرق الألماني شتيفان رايشموت إلى حد القول بأن "مستقبل العالم الإسلامي سيكون حتما للتيار الصوفي".
وقد انتقلت هذه الأفكار إلى خطاب الساسة الغربيين، فها هو توني بلير ينادي زعماء الدول الإسلامية بأن يبذلوا قصارى جهدهم في سبيل تمكين "الإسلام المعتدل" بحيث يصبح هو التيار الرئيسي. أما كولن باول وزير خارجية أميركا السابق، فقد كشف في خطاب ألقاه بجامعة لويسفيل بولاية كنتاكي خلال شهر نوفمبر 2001 عن تبلور رؤية أميركية للمجتمعات الإسلامية تقوم على تحجيم المتطرفين والسلفيين وتقوية شوكة "المعتدلين". وجاء الدور على لجنة الحريات الدينية في الكونجرس لتدعو الدول العربية إلى تشجيع الطرق الصوفية.
وبدأت ترجمة هذه الرؤية في مؤتمرات موسعة، استضاف أحدها معهد نيسكون للدراسات الاستراتيجية مطلع عام 2002 وضمت العديد من رموز التصوف من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وفي صيف العام نفسه أصدرت مؤسسة "راند" دراسة حول الفروق والتباينات بين مختلف الجماعات والتنظيمات والتيارات الإسلامية أوصت فيها بضرورة أن تزكي الولايات المتحدة المسار الصوفي، واقترحت على أعضاء السلك الدبلوماسي الأميركي في العواصم الإسلامية أن يزوروا أضرحة أولياء الصوفية ومشايخهم ويشهدوا موالدهم، وأن يتم استخدام المعونة الأميركية في ترميم المزارات الصوفية، وحض الحكومات على الاهتمام بالمتصوفة. ولا يمكن النظر إلى المؤتمر الذي انعقد في كاليفورنيا خلال أواخر شهر أبريل 2008 ونظمته "الرابطة الدولية للتصوف" بعيدا عن هذا المسلك الاستراتيجي الأميركي.
لكن الأميركيين واهمون إن اعتقدوا أن الصوفية ستتسامح مع تصرفاتهم العدوانية، وستكون هينة لينة حيال مشروعهم الاستعماري. فالمتصوفة إن كانوا قد أظهروا في أغلب الأوقات مسايرة للسلطان والمستعمر، فإنهم تصدوا للاستعمار، مثل ما فعل عمر المختار شيخ السنوسية في ليبيا، والمهدي شيخ المهدية في السودان، وعبد القادر شيخ الطريقة القادرية في الجزائر، والشيخ ابن ماء العينين شيخ الطريقة الفاضلية في موريتانيا، وما فعله شيوخ التيجانية ضد الفرنسيين في المغرب، وأحمد بمبا في السنغال، والشيخ رابح فضل الله في وسط أفريقيا، والحاج الفوتي التكروري في أفريقيا، ومحمد عبدالله حسن بالصومال ضد الاستعمار الإنجليزي والحبشي، وشيوخ النقشبندية ضد الاستعمار الهولندي في إندونيسيا.
ربما ينظر الأميركيون وحلفاؤهم إلى الجزء الضئيل الفارغ من الكوب، حيث تعاونت بعض الطرق الصوفية أو بعض أجنحة منها مع المستعمرين طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين، لكنهم ينسون أو يتغافلون عن الطابع النضالي، الذي ميز أغلب أفكار وممارسات متصوفة البلدان المحتلة، وهي سمة لا أتصور أن تسقط بالتقادم.