مشكلة الهجرة: العنصرية ليست حلاً
مع احتدام النقاش حول موضوع الهجرة وفي ظل القضية المرفوعة أمام محكمة فيدرالية أميركية للطعن في قانون الهجرة الذي أقرته ولاية أريزونا، يعتقد البعض أن الولايات المتحدة محاصرة بجحافل من المهاجرين غير الشرعيين الذين يدقون على أبوابها وينتظرون الفرصة للانقضاض على الوظائف وانتزاعها عنوة من الأميركيين. ولكن الحقيقة غير ذلك، إذ على رغم الخطاب الحاد والمواقف الصاخبة التي تحيط بموضوع الهجرة في الولايات المتحدة، فقد تراجعت نسبة الهجرة السرية تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات القليلة الماضية. وفيما يحاول الصحفيون وقادة الرأي تصوير الغضب الذي يشعر به الأميركيون تجاه الهجرة على أنه يعكس حقائق الواقع واستياء الناس من اكتساح المهاجرين غير الشرعيين لسوق العمل الأميركية تشير الأرقام إلى حقيقة أخرى مغايرة غالباً ما تبقى خارج التغطية الإعلامية لأنها تفتقد عنصر الإثارة الذي يلجأ إليه كثير من الصحف حتى الرصينة منها! فحسب تقرير صادر عن وزارة الأمن الداخلي خلال شهر فبراير الماضي انحسر عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين يعيشون في الولايات المتحدة بواقع مليون نسمة بين 2008 و2009، وهو ما يمثل أكبر تراجع يشهده عدد المهاجرين السريين في أميركا منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وقد سجلت السنة الحالية المرة الثانية التي تتراجع فيها نسبة المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة.
وبالمثل لاحظ حرس الحدود الذين يسيرون دوريات منتظمة على طول الحدود مع المكسيك انخفاضاً في عدد الاعتقالات بنسبة 60 في المئة منذ عام 2000 ليصل العدد إلى 550 ألفاً في السنة الماضية، وهو أقل ما وصل إليه المعتقلون من المهاجرين الذين يحاولون عبور الحدود في أكثر من 35 سنة، وذلك على رغم تضاعف عدد الحراس في السنوات الأخيرة، وتشديد المراقبة على طول الحدود الجنوبية للولايات المتحدة. واللافت أن الخطاب المتشدد حول الهجرة والضجة الكبيرة التي نطالعها في وسائل الإعلام الأميركية حول مخاطرها على وظائف الأميركيين لا يتفق والتقرير الذي أصدره مركز "بيو هيسبانيك" والذي يشير إلى أن أعداد المهاجرين المكسيكيين ممن وصلوا إلى الولايات المتحدة بين عامي 2005 و2008 انخفضت بنسبة 40 في المئة، ومن ثم تنتفي دوافع الخوف من الهجرة غير الشرعية كما نرى ذلك في وسائل الإعلام.
والحقيقة أن انخفاض عدد المهاجرين لا يقتصر فقط على المكسيكيين الذين يتسللون عبر الحدود بصورة غير قانونية، بل لقد امتد إلى فئات أخرى من المهاجرين، ففي ظل الصعوبات التي يعاني منها الاقتصاد الأميركي تراجع إقبال المهاجرين المهرة من ذوي الشهادات العليا على الهجرة إلى أميركا. فقبل حلول الركود الاقتصادي كانت حصة المهاجرين المهرة التي تحددها أميركا في 85 ألف مهاجر سنويّاً تستكمل لائحتها خلال أيام فقط بعد موعد الإعلان عنها في شهر أبريل، ولكن خلال السنة المالية 2010 لم تستكمل الطلبات إلا في شهر ديسمبر.
وأخيراً كشف مكتب الإحصاء الأميركي في الخريف الماضي تراجعاً تاريخيّاً في نسبة المقيمين الأميركيين الذين ولدوا في الخارج من 12.6 في المئة خلال عام 2007 إلى 12.5 خلال عام 2008 وهي نسبة لا تتجاوز عدديّاً 40 ألف شخص، وهذه هي المرة الأولى التي يتقلص فيها هذا الرقم في الولايات المتحدة منذ السبعينيات، فلماذا إذن كل هذا الضجيج المثار حول الهجرة في وقت تشير فيه جميع الأرقام والإحصاءات إلى تراجع أعداد المهاجرين الشرعيين منهم وغير الشرعيين؟ ولماذا انقلب النقاش إلى هذه المرارة؟
بالطبع يكمن الجواب السهل في الصعوبات الاقتصادية التي تدفع الناس عادة إلى البحث عن طرف ما لتحميله مسؤولية عجزهم ومعاناتهم مع واقع أصبح يضيق أكثر فأكثر، ولكنني أعتقد أيضاً، وبعيداً عن العوامل الاقتصادية، أن هناك دوافع أخرى تساهم في احتدام النقاش حول موضوع الهجرة وتبني بعض المواقف المتشددة في مقدمتها الخطاب السياسي الذي يشجع على التشدد ويلهب مشاعر الناس احتماء بالمواقف الشعبية لتحقيق مصالح سياسية، أو انتخابية ضيقية، لاسيما في ظل جو الاستقطاب السياسي السائد حاليّاً. وأكثر من ذلك أن الجناح اليميني الذي تأتي منه أغلبية المواقف المتشددة تجاه الهجرة يفتقر إلى صوت عاقل يلجم انفلاتاته ويدفعه إلى الحكمة والتبصر. فقبل أربع سنوات فشلت محاولات بوش في إقرار قانون شامل للهجرة، ولكنه على رغم ذلك حذر من "الانزلاق نحو خطاب قاس وقبيح". وهذا الصوت المتعقل يغيب اليوم عن اليمين الأميركي الذي انخرط في خطاب متشنج وغير عقلاني لا يحده رادع أخلاقي، أو سياسي.
ولكن بالإضافة إلى الاعتبارات السياسية تبرز أيضاً هواجس الإعلام، لاسيما بعض الصحف التي تعاني من تراجع مقروئيتها ما قد يدفعها في الكثير من الأحيان إلى التقرب من القارئ على حساب الموضوعية والمهنية، ففيما كانت التعليقات العنصرية في السابق حبيسة بعض المواقع الإلكترونية ومستبعدة من الإعلام السائد أصبحت اليوم الجرائد الأميركية الرصينة والكبرى تفتح ردود القراء في موقعها الإلكتروني لكل من هب ودب، متيحة المجال للتعليقات المتطرفة والردود المتشنجة الفاقدة للتعقل والحكمة، وهو ما قد يضفي نوعاً من الأهمية إن لم يكن الشرعية على تلك الآراء والمواقف بصرف النظر عن مدى صحتها! وعلى سبيل المثال عندما كتبت مقالا في الأسبوع الماضي في "لوس أنجلوس تايمز" عن حظر البرقع في فرنسا رد أحد المتطرفين قائلا إنه يتعين إطلاق النار على كل من يحاول عبور الحدود من المكسيكيين، وبدلا من شطب مثل هذه التعليقات تعمل الصحف على نشرها ناسية أنها بذلك تعمل على شرعنة الخطاب العنصري وغير المسؤول حول الهجرة.
جرجوري رودريجيز
كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم.سي.تي.انترناشونال"