اللغات المجهولة ..."كورو" نموذجاً
لقد اكتشف فريق من المتخصصين اللغويين للتو لغة مجهولة لم يسمع عنها كثيراً في الجزء الأقصى من شمال شرقي الهند، وفقاً لما نشره الباحثون اللغويون الذين توصلوا إلى هذا الاكتشاف يوم الثلاثاء الماضي. ويتحدث لغة "كورو" هذه -وهي لغة ظلت مجهولة بالنسبة للمختصين اللغويين حتى تم الكشف عنها أخيراً- ما يتراوح بين 800-1200 شخص فحسب، ما يعني أنها عرضة للانقراض قريباً بسبب هجر الأجيال الشابة التحدث بها، وتفضيلهم الحديث بالهندية أو الإنجليزية الأكثر انتشاراً وشيوعاً.
وتختلف لغة "كورو" تمام الاختلاف عن أي من مجموعة الألسنة المصنفة ضمن عائلة اللغات التبتية- البورمية، وهي عبارة عن 400 لغة ترتبط ببعضها ويتم التحدث بها على نطاق القارة الآسيوية كلها، على حد قول الباحثين العاملين بمجلة "ناشونال جيوغرافيك" اللذين أعلنا عن هذا الاكتشاف اللغوي الجديد.
ونفى الباحثان اللغويان وهما: "كي. ديفيد هاريسون" -من كلية سوارثمور في بنسلفانيا، وجريجوري دي. إس. أندرسون، مدير معهد اللسانيات الحية للغات المهددة بالانقراض بولاية أوريجون- علمهما بلغة "كورو" ولا بالطريقة التي تطورت بها. ولكنهما يعتقدان أن بوسعها أن تضيف كنزاً معرفياً هائلاً إلى الطريقة التي تتطور وتستخدم بها اللغات الإنسانية.
وقال الباحث "هاريسون" إن متحدثي لغة "كورو" ظلوا مجهولين للعالم الخارجي المحيط بهم، بسبب عدم وجود أي فوارق تذكر بين الملابس الفاقعة الحمرة التي يرتدونها، ومشروبات الأرز المحلية التي يصنعونها ويستهلكونها فيما بينهم، وغيرهما من تفاصيل حياتهم اليومية، عن تلك العادات والتقاليد المميزة لمتحدثي لغة "أكا" المهيمنة على ذلك الجزء الشمالي الشرقي من الهند. وحسب تعبيره، فإن هناك نوعاً من الخفاء الثقافي تتسم به الجماعات الناطقة بلغة "كورو"، فهي ترتدي ذات الملابس وتأكل الطعام نفسه، وتقيم في بيوت متطابقة مع تلك التي تسكنها الجماعات المتحدثة للغة "أكا". ولكن الذي يميز الناطقين بلغة "كورو" هو أن لهم تعبيراً مختلفاً عن كل ما يحيط بهم، مقارنة إلى الناطقين باللغة المحلية المهيمنة.
ومما يساعد على اندماج هذه اللغة في اللغة المهيمنة، كثرة المصاهرة بين متحدثي لغة "كورو"، والناطقين بلغة "أكا" التي يتراوح عددهم بين 4-6 آلاف شخص، وكذلك الناطقين بلغات أخرى مثل لغة "ميجي" التي يتراوح عدد المتحدثين بها بين 6-8 آلاف شخص. وأوضح "هاريسون" أن العزلة المحيطة بمجموعة القرى الناطقة بهذه اللغات المحلية عن العالم الخارجي، ساهمت كثيراً في ضعف الدراسات اللغوية المتخصصة التي أجريت عنها.
على صعيد آخر، قال الباحث اللغوي "إم. بول لويس" -الذي قام بتحرير العدد السادس عشر من مجلة "إثنولوج: لغات العالم"، ولا تربطه صلة بالأبحاث التي أجراها زميلاه المذكوران في أقصى شمال شرقي الهند مؤخراً- إنه يتوقع وجود الكثير من اللغات المجهولة في أنحاء مختلفة من العالم. واستطرد في القول إن اللغات الخفية المجهولة هذه، هي الأقل حظاً من الاهتمام والدراسة من قبل الباحثين.
يجدر بالذكر أن الباحثين "هاريسون" و"أندرسون"، إلى جانب زميلهما الباحث الهندي "جانيش مورمو"، كانوا قد تعرفوا بمحض الصدفة إلى لغة "كورو" المجهولة في عام 2008. وكانوا قد أشاروا في بحث سابق لهم إلى منطقة في محافظة "أرونوشال براديش"، باعتبارها منطقة غنية بالتعدد اللغوي. وبعد حصولهم على إذن بزيارة المنطقة، سافر ثلاثتهم براً في رحلة استغرقت يومين قبل وصولهم إلى عمق سفح جبال الهملايا، ثم عبروا نهراً على متن قارب محلي مصنوع من أعواد الخيزران، قبل أن يصلوا إلى القرى النائية التي يتحدث أهلها بلغة "كورو".
وهناك وجدوا من حدثهم عما يسمى بلهجة "أكا"، لكنهم حين جلسوا مع أحد القرويين لتسجيل حديثه الناطق بتلك اللهجة، فوجئوا بغرابة الكلمات التي ينطق بها، وتبادر إليهم إن من المستحيل أن تكون تلك الكلمات مجرد لهجة فرعية من لغة أوسع نطاقاً. تعليقاً على اكتشاف الفارق اللغوي هذا قال الباحث أندرسون: لقد أدركنا الاختلافات اللغوية على الفور. فقد بدأنا برصد قائمة من الكلمات أولاً ومقارنتها مع بعض اللغات المنتمية إلى النظام الصوتي اللغوي لـ"الأكا"، فوجدنا اختلافاً كبيراً بينها في كل شيء. وفيما بعد أدركنا أن لغة "كورو" ليست لغة مستقلة بنفسها فحسب، إنما تختلف كذلك عن لغة "أكا" تماماً، مثلما تختلف اللغة الروسية عن الإنجليزية.
ولا تزال أمام الباحثين اللغويين الذين توصلوا إلى هذا الاكتشاف -الذي يتوقع أن تنشر نتائج الدراسة اللغوية التي قام عليها في مجلة Indian Linguists- الكثير من الألغاز والطلاسم التي يأملون في حلها قريباً. منها على سبيل المثال: لماذا لم يلاحظ متحدثو لغة "كورو" شدة اختلاف لغتهم عن بقية اللغات الأخرى المتحدثة في المنطقة؟ وكيف تمكن متحدثو "كورو" من المحافظة طوال هذا الوقت على استقلالية لغتهم، على رغم اختلاطهم مع متحدثي اللغات المحلية الأخرى في جميع جوانب حياتهم؟ وحتى يتسنى للباحثين حل هذه الطلاسم، فإن في اعتقادهم أن للإجابات عن هذه الأسئلة وغيرها، صلة بعزلة المجتمعات المتحدثة بها نسبياً عن العالم الخارجي.
غير أن العولمة سوف تضع حداً لهذه العزلة المحلية. ولكنها تهدد بانقراض لغة "كورو" نفسها. ففي الكثير من عائلات المجتمعات المتحدثة بهذه اللغة، تجد الأبوين يتحدثان لغتهما الأصلية بينما يفضل الأبناء والبنات التحدث بالهندية، اللغة المهيمنة سياسياً في الهند. ولا تجد اليوم سوى قلة من الشباب دون سن العشرين يتحدثون لغة "كورو".
أمينة خان
محللة سياسية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشونال"