تعزيز الوعي الاستهلاكي والاستثماري
أطلق "مجلس أبوظبي للتطوير الاقتصادي" مؤخراً برنامج توعية باسم برنامج "درهمي"، يستهدف تعزيز وعي الأفراد بالممارسات الاستهلاكية السليمة وكيفية إدارة الميزانية والإنفاق، بشكل يحقق مصلحة الفرد والأسرة وصولاً إلى المصلحة العامة على مستوى المجتمع كله. حيث يساعد برنامج "درهمي" الأفراد على توجيه النفقات إلى الوجهة المثالية، عبر اتخاذ القرارات الاستهلاكية المناسبة، ويشجع البرنامج الأفراد على زيادة معدلات الادخار لديهم أيضاً، ويعتبر هذا الهدف الأخير في الوقت الحالي أحد الأهداف الاستراتيجية سواء بالنسبة إلى اقتصاد إمارة أبوظبي أو اقتصاد دولة الإمارات بشكل عام، في ظل جنوح السلوك الاستهلاكي في بعض الأحيان إلى مستويات مبالغ فيها، بما يمثل خطراً على الاستقرار الاقتصادي بشكل كلي.
إذا كان الاستهلاك في حدّ ذاته يُعدّ متغيراً ذا دور إيجابي على المستوى الاقتصادي، كونه يعد المحرك الرئيسي لعجلة النمو والإنتاج، إلا أن الأمر يعتمد على الطريقة التي يُوظَف بها الاستهلاك، والوجهة التي يذهب إليها، وما إذا كان سيبقى في حدود الرشد والانضباط، أم يدخل في نطاق التبذير والإهدار، ففي هذه الحالة يتحوّل الاستهلاك إلى وسيلة لتدمير الموارد الاقتصادية للدولة.
ومَنْ يبحث عن جذور "الأزمة المالية العالمية" يجد أنها كانت نتيجة مباشرة للاستهلاك غير المنضبط بين الأفراد في الدول المتقدمة، ومن ثم انتقل هذا الطابع الاستهلاكي إلى المؤسسات، حيث صاغت المؤسسات برامجها وأهدافها بالاعتماد على توظيف النزعة الاستهلاكية للأفراد، وظهر ذلك بوضوح على المصارف التي توسّعت بشكل مبالغ فيه في منح القروض الاستهلاكية، من دون مراعاة مدى القدرة على تسديدها، وقد تأصّل هذا الاتجاه كثيراً في الاقتصاد الأميركي وعدد من الاقتصادات المتقدمة الأخرى، إلى أن أُثقِل كاهل الأفراد بالديون وباتوا غير قادرين على السداد، فانكشفت المصارف وسقطت في غياهب الديون المعدومة، ومن هنا اشتعلت "الأزمة".
كما يقوم برنامج "درهمي" الذي أطلقه "مجلس أبوظبي للتطوير الاقتصادي" مؤخراً بتوعية الأفراد بكيفية اتخاذ القرارات الاستثمارية السليمة، بخاصة في ما يتعلق بالاستثمار في المحافظ المالية، وهو ما يعد مطلباً مهمّاً في المرحلة الحالية، لحماية الأفراد من التورط بوضع أموالهم ومدخراتهم في المحافظ المالية الوهمية، التي باتت تمثل ظاهرة سلبية ذات بُعد وانتشار عالميين، فبعد أن كانت ضمن مسببات "الأزمة المالية العالمية"، ما زالت تمثل سبباً في زعزعة ثقة الأفراد والمستثمرين بمجمل التعاملات المالية، وتدفع الأفراد في بعض الأحيان إلى سحب مدخراتهم واستثماراتهم من المؤسسات المالية بشكل غير منظم، ما يعرض تلك المؤسسات لأزمات في شُح السيولة وقد ينتهي بها الأمر إلى الإفلاس في النهاية.
وتُظهر هذه المعطيات في مجملها مدى تَميُّز مبادرة برنامج "درهمي"، فهي من ناحية تسهم في حماية الموارد الاقتصادية الوطنية من الاستنزاف، وتساعد على توجيه تلك الموارد إلى الاستخدام الأمثل، ومن ناحية أخرى تحمي الأفراد من أخطار ضياع مدخراتهم، وترشدهم إلى اتخاذ القرارات الاستثمارية السليمة، ما يدعم مستويات الثقة بالتعاملات المالية وفي الاقتصاد الوطني بشكل عام. وقد يكون برنامج "درهمي" بمنزلة المبادرة الأولى التي يتبعها استحداث نماذج أخرى منه، لتعميم التجربة في الإمارات المختلفة وتعم الفائدة بما يخدم الاستقرار الاقتصادي للدولة كلها.