التراث والهوية... في العلاقات الخارجية
كثيراً ما برزت في دول الجوار أو في قلب الدول العربية نفسها، قضايا مثيرة للتفكير في مصير المنطقة، لكنها لاتجد العناية الكافية لوضعها في صلب تفكيرنا الثقافي أو الاستراتيجي. وينطبق ذلك في تقديري على قضية أثر التنوع الثقافي في بلادنا على صياغة علاقاتنا الخارجية. وقد تبدو الملاحظة نفسها مثيرة لابتسامة الاستراتيجيين الذين لا يتوقعون أن تشمل دراسات الفولكلور مثلاً أثرها في مواقف الحرب والسلام! لذلك يذهب بعض "المتأدبين " إلى الإشفاق على الاستراتيجيين، فيسارعون بالإشارة إلى أنهم يقصدون الحديث في مسألة "الهوية"وأثرها المتوقع على صياغة العلاقات الخارجية... وهنا يبدأ علماء السياسة في تنفس الصعداء، مثلما فعلت أنا نفسي مع كتاب "هويتي" الذي أصدرته مؤخرا أستاذة متميزه في علم الاجتماع ذات اجتهادات بارزة في دراسة التراث مثل الدكتورة موزة عبيد غباش. فقد توقعت منها الحديث عن تخصصها العميق في دراسات التراث الشعبي وعلم الفولكلور، فوجدتها تذهب بي بعيداً إلى دراسات الهوية وعناصرها في التاريخ السياسي لمنطقة عزيزة في الوطن العربي مثل منطقة الخليج.
ومن الطبيعي ألا أقلق من بحوث السياسة أو الهوية في هذه المنطقة الحساسة من عالمنا العربي. وقد بدا لي بمراجعتي لثُبت الكتب الصادرة في هذه المنطقة عن التراث الشعبي لعدة عقود، أن مجموعة من خيار أبنائها منشغلون بتراثها العربي، بما يُعرب عن تفهم لقلقنا القومي بل والوطني. ويؤكد ذلك الالتزام التاريخي إزاء هذا المجال حيث نرى بعض العناصر وهي دائبة العمل على مراجعة هذا الالتزام في السنوات الأخيرة، إزاء موجات من "القطرية " المصاحبة للعولمة. من هنا آمل أن يتفهم القارئ لماذا أشير إلى علاقة دراسة التراث الشعبي والحضاري بالاستراتيجية العامة في هذه الدولة أو تلك ... وهذا ما فعلته موزة عبيد غباش في كتابها عن "الهوية والتاريخ السياسي مرتبطاً بتراث المنطقة ". رحت أتابع - في عجالة بالطبع - آثاراً مماثلة لجهود قديمة وحديثة في منطقة الخليج يذكر منها أعمال: محمد الحردان، وحمد بوشهاب، ومحمد ناصر العبودي، وأحمد بن حسين لوتاه ، وفالح حنظل، بل وشخصيات علمية عربية معروفة مثل د. سيد حامد حريز، ومراكز ترسخت في منطقة الخليج مثل مركز جمعة الماجد، وأخرى على امتداد بلدان الخليج في البحرين وقطر وعُمان. وقد كان جهد د. موزة غباش قد تكامل من قبل مع عدد من هذه الجهود في دراسات جامعة لعناصر التراث في الخليج، أتمنى أن يتواصل.
لذلك لم أدهش أن تكتب عالمة الاجتماع عن "سياسة الهوية". بل وسعدت أن يكون أثر هذه الخلفية السوسيولوجية، هو الذي قادها إلى الالتحام بسوسيولوجيا السياسة، وليس تسييس السوسيولوجيا ، فنراها تتحدث عن "التزامها بالتاريخ القديم الممتد"، وأنها لا تتحدث عن "اكتشاف الهوية"، لكن "كشف أبعادها" في "دولة الإمارات". كما تتحدث عن أنماط الحضارات التي لفت المنطقة من نمط زراعي إلى رعوي، أو تعلن انحيازها إلى نمط ثالث "إماراتي هجين"، فرضه على التصنيف سكان السواحل البحرية، والامتداد البحري الذي يقدم عطاء حضارياً متميزاً...الخ. وهي تنبه إلى تجذر هوية الإمارات في "عروبتها وإسلامها"، وهذا طبيعي عند "موزة غباش" لمن يقترب من شخصيتها الأصيلة.
لكني وإن تفهمت أهمية هذه المقولات لتحقق انتماء عربي- إسلامي "متجذر" على حد تعبيرها عند الأبناء المخلصين في منطقة الخليج، لم أر لماذا لم تتعمق "د. موزة غباش"، هي نفسها فيما أثارته عن "إشكالية الالتباس في الثقافة السياسية بين الانتماء إلى الدولة" أو إلى "الأمة"؟ لقد رأيت "موزة غباش" وكثيرون من أبناء الإمارات الدارسين للتراث الشعبي، يحاصرون هذا التراث المتميز، في تكوينه الثنائي أو الثلاثي من "أنماط الحضارة"، وذلك بتأكيد إطاره "الدولتي" فقط، بينما الحديث ثقافي عريض يمتد بطبعه إلى آفاق الخليج كله، بل وخارج إطار الخليج مع المحافظة على حدود"القطرية" إنْ شاؤوا، وهي حدود شائعة على المستوى العربي من حسن الحظ. وقد حاولت د.موزة في بعض المواقع كسر هذا التشرنق بالحديث عن الإطار العربي الإسلامي في النهاية وشجعها ذلك على رفضها لمحاولات "العولميين" ربط "القطرية"، بالعولمة مباشرة، وليس ربطها بالإطار الحضاري القومي، عربياً وإسلامياً، وهذا هو الجهد المقدر بحق في كتاب "هويتي".
لا تسمح حدود هذا المقال أن نمضي كثيراً في هذا النقاش، حول "القطري" و"القومي" و"العولمي"، لأني قصدت أصلاً أن أثير نقاشاً حول علاقة "التراثي" بـ"السياسي"، وأثر ذلك في صياغة العلاقات الخارجية إزاء ما أثير في هذا الكتاب عن الامتدادات البحرية وأبعادها الأفريقية بوجه خاص. آملاً من شباب الباحثين في منطقة الخليج أن يتدارسوا ذلك معا بعناية، لأنني سأذهب بهم -في عجالة أخرى، إلى نماذج مثل هذه المعارك في مناطق قريبة، هي السودان أو" شرقي أفريقيا". ففي السودان ناقش المثقفون مبكراً "هوية السودان القائمة على "الوحدة في التنوع"، كتب عنها علماء من الخرطوم ومن جوبا ومن دارفور، منذ السبعينيات أو قبلها.
وكان واضحاً أن الدولة "منذ حكم "النميري". وما بعده تجاهلت منتج هذه الدراسات وأثرها في تحديد هوية الصراعات الاستراتيجية وطنياً وإقليمياً، على نحو ما رأينا في مشاكل السودان لاحقاً، والتي جعلته يبحث حتى الآن عن هويته العربية أو الأفريقية أو الخاصة في واقع مأزوم ما زال يتجاهل الدراسة والبحث! مثل ذلك حدث في منطقة شرقي أفريقيا مع إشكاليات الثقافة السواحيلية والثقافات المحلية، وأثرها في تحديد علاقاتها الإقليمية، بل وعلاقاتها الأفريقية العربية على نحو ما نعرف ونتابع. لذلك كنت أتمنى أن تنتقل د.موزة إلى الامتداد الثقافي لمنطقة الخليج- مع امتداداتها البحرية، التي انتبهت لها لتقدم - في بحثها عن هويتها - خريطة ثقافية أوسع لبلدان الخليج في علاقاتها بالثقافات الأخرى: الآسيوية والأفريقية. ولابد أن أشهد أن "قلقها الآسيوي" كان مبكراً منذ دراستها المبكرة عن "العمالة والهجرة الخارجية"، وانتباهها بشجاعة- بل وتنبيهها - إلى الأبعاد الديموغرافية وأثر مشكلات التكوين السكاني على هوية المواطنين والخليج عموماً. وها هي تنتقل الآن إلى سؤال أكبر عن الانتماء للدولة أم الانتماء للأمة.
ولا يسعني بحكم تخصصي الدقيق إلا أن أسأل د.موزة عن أثر الاتصال البحري الطويل في منطقة المحيط الهندي وشرقي أفريقيا في جوانب أعمق مما ذكر من التأثيرات الثقافية المتبادلة بين تلك المنطقة من العالم الأفريقي ومنطقة الخليج. كان ذلك سيساعد أيضاً في التعرف على أثر "الثقافي" في "السياسي والاستراتيجي"، وعلاقة ذلك بقضايا "الهوية" هنا وهنالك؟ وأخيرا فإنني لو ارتضيت التوقف عند تصديها "بهويتها" لموجة عولمة الخليج على النحو الذي يخشاه الكثيرون الآن، لشكرت هذا الجهد التمهيدي لدراسات متقدمة أخرى عن علاقات هذه الهوية المباشرة بهويات عربية وأفريقية وآسيوية في القلب والمحيط العربي، وقد يساعد ذلك على وضع منطقتنا بالشكل المناسب في عالمنا المعاصر.