الغش الرياضي وجواز السفر البيولوجي
ككل الأحداث والفعاليات الرياضية الكبرى الأخرى لطخت الألعاب الأولمبية "لندن 2012" منذ يومها الأول، وحتى قبل أن تبدأ، فضائح استخدام العقاقير والمنشطات غير القانونية من قبل بعض الرياضيين، في سعيهم لتحقيق الفوز على أقرانهم، وحصد الميداليات الذهبية بطرق أقل ما توصف بأنها غير شرعية وغير أخلاقية. فقبل يومين من بدء الأولمبياد أعلن الاتحاد الدولي لألعاب القوى أن العداءة المغربية مريم العلوي السلسولي، التي تنافس في سباق 1500 متر، قد سقطت في اختبار للكشف عن تعاطي مواد منشطة وستغيب عن أولمبياد لندن. والغريب أن مريم التي فازت بفضية في بطولة العالم داخل القاعات هذا العام، سبقت معاقبتها بالإيقاف بسبب المنشطات، وبات يتهددها الآن الإيقاف مدى الحياة، وفقاً للوائح الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات. وأصبحت العداءة البالغة من العمر 28 عاماً أبرز مرشحة لإحراز ذهبية سباق 1500 متر في لندن عندما سجلت ثلاث دقائق و56,15 ثانية، لتحقق الفوز في لقاء باريس ضمن الدوري الماسي لألعاب القوى في وقت سابق هذا الشهر.
وأيضاً قبل بدء الفعالية الرياضية الدولية أعلن الاتحاد الدولي لألعاب القوى عن إيقاف تسعة من الرياضيين، ومنعهم من المشاركة في "لندن 2012"، بعد اكتشاف استخدامهم لعقاقير ومنشطات محظورة. والمثير في هذا الخبر هو الطريقة التي تم بها اكتشاف غش ثلاثة من هؤلاء الرياضيين من خلال إعادة فحص عينات أخذت منهم عام 2011 ضمن فعاليات البطولة العالمية، بينما اكتشف غش الستة الآخرين من خلال ما يعرف بجواز السفر البيولوجي (Biological Passport).
جواز السفر هذا، هو عبارة عن سجل رقمي إلكتروني، للمؤشرات الفسيولوجية والبيولوجية (Biological Markers) للرياضيين المحترفين، تم جمعها وحفظها من خلال عدد من الفحوصات الرامية للكشف عن المنشطات خلال فترة زمنية. وتعتمد فكرة جواز السفر البيولوجي على حقيقة أن تلك المؤشرات البيولوجية لا تتغير عبر الزمن في الأحوال الطبيعية، إن لم يكن الرياضي يتعاطى عقاقير ومنشطات، بل في الحقيقة تظل تلك المؤشرات ثابتة لعقود، وعبر الأجيال أحياناً. ولذا يمكن من خلالها اكتشاف استخدام العقاقير والمنشطات إذا ما زادت تلك المؤشرات وارتفعت خارج الحدود الطبيعية، بدلًا من محاولة الكشف عن عقار أو منشط محدد من خلال الفحوص المخبرية. بمعنى أن جواز السفر هذا يكشف التغيرات غير الطبيعية في المؤشرات الحيوية، التي غالباً ما تكون نتيجة تعاطي عقاقير ومنشطات، بدلًا من محاولة الكشف بالتحديد عن هذا العقار أو ذاك المنشط.
وتأتي أهمية جواز السفر البيولوجي نتيجة كون العقاقير والمنشطات التي تستخدم من قبل الرياضيين، يتم تطويرها وتحديثها بوتيرة متسارعة تفوق قدرة وسرعة المختبرات العلمية على كشفها. ولذا غالباً ما تمر فترة زمنية قد تبلغ أحياناً بضع سنوات، بين تطوير عقار أو منشط جديد، واستخدامه من قبل الرياضيين، وبين قدرة المعامل على تطوير فحص يمكنه الكشف عن هذا العقار أو المنشط الجديد. وعلى العكس من ذلك، وبناء على حقيقة أن العمليات الفسيولوجية للإنسان ثابتة إلى حد كبير عبر السنوات والعقود، يمكن الكشف عن المنشط الجديد، مهما كان نوعه أو طريقة عمله، بشكل غير مباشر، من خلال التغيرات التي يحدثها في المؤشرات البيولوجية. وتتضح أهمية جواز السفر البيولوجي بشكل أكبر، مع انتشار استخدام الهرمونات التي تتطابق في التركيب الكيميائي الجزيئي مع الهرمونات الطبيعية، بشكل يجعل من الصعب الكشف من خلال الاختبارات المعملية، عما إذا كان هذا الهرمون ناتجاً من الجسم بشكل طبيعي، أم أنه قد تم تناوله أو حقنه من قبل الرياضي، اللهم إلا إذا حدث تغير واضح وكبير في المؤشرات البيولوجية، مما يدل على مصدر خارجي للهرمون.
ويحتل جواز السفر البيولوجي أيضاً مكانة خاصة في مواجهة ما أصبح يعرف بالغش الجيني أو الوراثي (Gene Doping)، الذي تعرّفه الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات في الرياضة على أنه "أي استخدام غير علاجي، للخلايا، أو الجينات، أو المكونات الوراثية، أو إحداث تغيير في تأثير الجينات، يمكنه أن يزيد ويحسن من الأداء الرياضي". وتطالب الوكالة بأن يصبح تعريف التعاطي غير القانوني للعقاقير المنشطة، المستخدم من قبل الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات في الرياضة، ومن قبل اللجنة الأولمبية الدولية، وجميع الاتحادات الرياضية العالمية، شاملاً أيضاً لمجال الهندسة الوراثية وتقنيات العلاج الجيني. وتطالب الوكالة، وعلى منوال التعامل مع العقاقير والمنشطات في الرياضة في الجيل الحالي، أن يحظر على الأجيال القادمة من الرياضيين استخدام الهندسة الوراثية، لغرض تحسين الأداء الرياضي، وهو ما يظهر مدى القلق الحالي في الأوساط الرياضية، مما تحمله الهندسة الوراثية من فرص مستقبلية، غير قانونية وغير أخلاقية، لتحسين أداء الجسم البشري. وإن كانت مثل هذه الاتجاهات المستقبلية غير الشرعية، ستصطدم حتماً بتطبيقات جواز السفر البيولوجي، الذي سيمكنه الكشف عن أية تغيرات وراثية أو جينية قد يلجأ إليها البعض لتحقيق فوز وانتصار لا يستحقونه، ولا يتماشى مع روح الرياضة، أو مع قواعد المنافسة الشريفة.