الإرهاب في سيناء بين الواقع والخيال!
معروف منذ سنوات طويلة أن جماعات متطرفة دينياً تعمل لتوطيد وجودها ودعم ركائزها في سيناء. ولم يكن هناك جدل حول وجود هذه الجماعات من عدمه. فقد تركز الجدل على مرجعيتها ومصادرها الفقهية والفكرية وتوجهاتها وعلاقاتها مع تنظيم "القاعدة"، وهل ترتبط به ونوع هذا الارتباط وحجمه؟
لذلك كان مدهشاً أن يلجأ بعض السياسيين والإعلاميين والمثقفين في مصر، وخارجها، إلى "نظرية المؤامرة" لتفسير الهجوم الإرهابي الذي حدث على قوة مصرية قرب الحدود مع إسرائيل الأسبوع الماضي. فقد تكون لإسرائيل مصلحة في اضطراب الأوضاع في مصر رغم أنها مضطربة أصلا وبما يكفي لتحقيق هذه المصلحة ويزيد منذ ثورة 25 يناير 2011 التي لم تحقق أياً من أهدافها ولم يترتب عليها سوى انهيار الاستقرار الذي كان مفروضاً من أعلى. وربما لا تكون لإسرائيل، من جانب آخر، مصلحة في أن يمتد الاضطراب الذي يضرب معظم أنحاء مصر إلى منطقة الحدود معها في الوقت الذي يؤرقها ما قد تكون عليه حال حدودها مع سوريا في حال سقوط نظام الرئيس الأسد. وأياً يكن الأمر، فليس بإمكان إسرائيل خلق جماعات متطرفة من العدم أو "زرعها" في سيناء. وحتى بافتراض أنها تستطيع التأثير في حركتها أو استغلال وجودها، تظل المشكلة داخلية مصرية في جوهرها.
وفضلاً عن ذلك، ليس هناك ما يدل على أن لدى إسرائيل قلقاً ملموساً من وجود رئيس ينتمي لجماعة "الإخوان المسلمين" في رئاسة الجمهورية المصرية. فلم يصدر عن هذا الرئيس الجديد (محمد مرسي) ما يفيد أنه سيتصرف بطريقة مختلفة كثيراً عن سابقه (مبارك) إلا إذا اضطرته ضغوط شعبية إلى ذلك في مجال أو آخر. والحاصل أن هذه الضغوط تتعلق كلها بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تزداد تدهوراً وما يقترن بها من تراجع في مستوى معيشة كثير من المصريين. وتفيد المؤشرات كلها أن مصر ستظل مشغولة بمشاكلها وأوضاعها الداخلية لفترة طويلة.
أما الحديث عن عبور فلسطينيين أو غيرهم من قطاع غزة إلى سيناء، سواء عبر معبر رفح أو من خلال الأنفاق، لتنفيذ الهجوم الإرهابي على القوة الحدودية المصرية، فهو بدوره من الآثار الناتجة عن وطأة "نظرية المؤامرة".
ويكفي أقل القليل من المعلومات المتاحة عن الجماعات المتطرفة المصرية الموجودة في سيناء، والتي توسع حضورها ونشاطها في الفترة الأخيرة، لمعرفة أنها تستطيع تنفيذ عملية من هذا النوع اعتماداً على نفسها. ومع ذلك فهي تحصل على مساعدات لوجستية محدودة من متطرفين في قطاع غزة، وقد يكون بعضهم من حركة "حماس" أو جناحها العسكري. لكنها تستطيع الاستغناء عن هذه المساعدات. فهي ليست جديدة أو مستحدثة على نحو يجعلها بحاجة إلى خبرات في ممارسة الإرهاب، بل قد يكون بإمكان بعضها أن يقدم مثل هذه الخبرات إلى من يحتاجها. ومن غير المنطقي افتراض أنها تنتظر سلاحاً من قطاع غزة عبر أنفاق شديدة الضيق بينما حدود مصر مع ليبيا واسعة إلى الحد الذي يجعل السيطرة المحكمة عليها صعبة في الظروف العادية، فما بالنا بعد أن انهار الأمن في البلدين وفُتحت مخازن أسلحة الجيش الليبي وأصبحت التجارة فيها رائجة وأسعارها بخسة. فمن ذا الذي يترك حدوداً بهذا الاتساع وسوقاً بهذا الحجم ليبحث عن حاجته من الأسلحة في قطاع غزة! ولا يخفى أن كميات هائلة من الأسلحة دخلت إلى مصر عبر الحدود مع ليبيا خلال الأشهر الماضية، وأصبحت موجودة في كثير من المناطق وليس في سيناء فقط.
لذلك، كان السعي إلى تفسير "خارجي" للهجوم الإرهابي الذي أودي بحياة 17 من العسكريين المصريين مدهشاً ومثيراً لقلق شديد، حتى إذا لم تعتمد السلطات في القاهرة هذا المنهج المعيب. والحال أن هذه السلطات تدرك واقع الإرهاب وحجم الجماعات المتطرفة في سيناء. لكن المشكلة الأساسية هي أنها تعتمد المنهج الأمني في مواجهتها بمعزل عن السياسات اللازمة لتغيير بيئة اجتماعية يسودها الشعور بالقهر والإحباط. فلا تزال المشاكل التي يعاني منها سكان سيناء قائمة كما هي منذ إنهاء احتلالها وعودتها إلى مصر كاملة عام 1982. وما برحت آلامهم مستمرة بسبب شعورهم بأنهم لا يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة، وبأن بعض أجهزة الدولة الأمنية لا تثق في ولائهم الوطني بدرجة كافية. ويكفي أنهم وحدهم دون غيرهم من المصريين محرومون من حقهم الطبيعي في امتلاك الأرض، سواء ليزرعونها أو يبنون عليها مساكنهم وغير ذلك مما يلزم لحياتهم.
ولم تَصدُق حكومة مصرية منذ عام 1982 في تنفيذ أي من الخطط التي وضعتها لتنمية سيناء. ولم ير "السيناويون" أثراً في الواقع لعمل أي من اللجان التي أُعلن تشكيلها لتنمية منطقتهم. وكان للإحباط الناجم عن ذلك، والاستياء من حملات الاعتقال العشوائية بحثاً عن متطرفين، أثره في تهيئة البيئة الاجتماعية التي تنامت فيها جماعات تعود أصولها إلى أحد أجنحة "تنظيم الجهاد" المصري بقيادة خالد مساعد ذي الأصل "السيناوي". فقد تمكن "مساعد" من تجنيد عدد غير معروف من الشباب في سيناء بعد وقف نشاط تنظيم "الجهاد" في مصر نتيجة الضربات الأمنية المبرحة التي تعرض لها، واتجاه قطاع رئيسي في قيادته إلى الالتحاق بـ"تنظيم القاعدة"، وإقدام قطاع آخر فيه على الانضمام إلى "التائبين" الذين راجعوا أفكارهم.
ورغم تضارب المعلومات والاجتهادات بشأن مصير أتباع "مساعد" والمجموعات التي قام بتجنيدها في سيناء عقب مقتله عام 2006، فالأرجح وفق الروايات الأكثر توثيقاً، أنهم أقاموا علاقة ما تختلف هذه الروايات في تكييفها مع مجموعات متطرفة من نوع آخر تعتنق "الفكر" التكفيري. والمؤكد أن هذه العلاقة قادت إلى إنشاء ما يمكن اعتباره تياراً شديد التطرف يحمل أكثر من اسم أشهرها "التوحيد والجهاد" و"أكناف بيت المقدس".
وكان وجود جماعات هذا التيار ملموساً في بعض مناطق سيناء خلال الأشهر الماضية التي انهار خلالها جهاز الأمن عامة في مصر، إلى حد أنه قام بأكثر من تظاهرة مسلحة في قلب مدينة العريش، فضلاً عن قيامه بعمليات تفجير خط تصدير الغاز الطبيعي من مصر إلى إسرائيل 15 مرةً حتى الآن.
الخطر على سيناء، إذن، داخلي بالأساس قبل أن يكون خارجياً. وإذا كانت هناك أصابع خارجية فهي تسعى إلى استغلال الوضع الداخلي. وهذا هو واقع الإرهاب في سيناء بمنأى عن أبواب الخيال التي تفتحها نظرية المؤامرة.