لم يقتنع كل المثقفين اليابانيين بما جاء في كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون"، وتصدى لنقد الكتاب ودعاة نظرية المؤامرة والرد على أفكارهم، العديد من النقاد الليبراليين والمحافظين على حد سواء. أما أبرز هؤلاء النقاد وأعلاهم صوتاً فكان "يوشينو ساكوزو" (1878-1933). كان "ساكوزو" مؤلفاً وأستاذاً رفيعاً في العلوم السياسية، ومن الشخصيات البارزة في مرحلة "ديمقراطية تايشو" التي ازدهرت فيها الثقافة والحريات في اليابان بعد الحرب العالمية الأولى وقبيل هيمنة المتشددين القوميين والعسكريين التوسعيين. تحول "ساكوزو" إلى المسيحية وهو في المرحلة الثانوية، وسرعان ما أصبح شخصية بارزة في الحركة الاشتراكية المسيحية داخل اليابان. درس "ساكوزو" في جامعة طوكيو الملكية سنة 1904، ثم سافر بعد عامين إلى الصين كمربٍ لابن إحدى الشخصيات السياسية البارزة، ثم عاد إلى اليابان سنة 1909 ليقوم بتدريس القانون في نفس الجامعة حتى سنة 1924. وكان قد أقام قبل ذلك ثلاث سنوات للدراسة في ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة. وانهمك لدى عودته في كتابة المقالات التي تناقش مشاكل تطبيق الديمقراطية في الإدارة اليابانية الحكومية. ويرى البعض أن أهم مقال كتبه كان بعنوان "في معنى الحكومة الدستورية"، حيث انتقد فيه الاعتقاد الشعبي السائد آنذاك، الذي كان يفضل "النموذج البروسي" لليابان، وأظهر أن الديمقراطية لا تتناقض مع سلطة الامبراطور وسيادة الملكية. وفي عام 1918، شارك "ساكوزو" مع آخرين في تأسيس جمعية Reimekiai "لدعم انتشار الأفكار الديمقراطية بين الناس". كان "ساكوزو" من أشد مناصري الحكومة البرلمانية و"حكومة الشعب" Minponshugi. ولذلك ناصر الانتخابات العامة، وفرض الرقابة المدنية على القوات المسلحة، وتعيين أعضاء مجلس الشيوخ بواسطة الشعب عن طريق الانتخابات، وتأسيس الدولة على مبادئ الاشتراكية تدريجياً. وكان هذا الخلط بين المسيحية والاشتراكية والديمقراطية والنقابية والأخلاق الكونفوشية من أسباب تشتت أنصاره، حيث استقطبت الأفكار الماركسية بعضهم ثم دخلت اليابان في مرحلة من الأزمات الاقتصادية والتعقيدت السياسية التي أجهضت حركته. تناول "ساكوزو" في مقال له عام 1921 نظريات المؤامرة التي يروج لها بعض العسكريين القادمين من سيبيريا. "عندما رأيت بعض الشخصيات اليوم تقاوم الأفكار الجديدة، مستخدمة ألاعيب مضحكة، صار القلق ينتابني من المؤثرات التي قد تسيء إلى ثقافتنا، لذلك قررت ألا أسكت". ووصف "ساكوزو" كتاب البروتوكولات بأنه مجرد "عمل مزيف أساسه انحياز الغربيين ضد الماسونيين واليهود، كتب لإثارة الكراهية ضد البلشفية". ولم تمنع مثل هذه المساعي الفكرية والأكاديمية رواج عداء اليابانيين المتحمسين لقوميتهم وللتوسع الآسيوي، ضد اليهود. وهكذا صار هذا العداء والتشهير، كما في ألمانيا ودول المحور الأخرى، من أركان دعاية الحرب اليابانية. ولا شك أن صعود الروح العسكرية وانهيار سوق الأسهم في نيويورك والأزمة الاقتصادية العالمية كانت قد ساهمت في دعم النظرية وتقوية شكوك قطاع واسع من اليابانيين باليهود. وكانت سياسة اليابان التوسعية في آسيا وانسحابها من عصبة الأمم المتحدة عام 1933 قد زادتها اقتراباً من ألمانيا النازية، وبذلك تبنت اليابان الكثير من عناصر السياسة النازية في إعلامها. كانت اليابان تشارك ألمانيا النازية عزلتها الدولية منذ أن بدأت هذه الأخيرة التمرد على مقررات مؤتمر فرساي. وفي داخل ألمانيا تعثرت ديمقراطية "جمهورية فايمار" مع اشتداد حدة الأزمة الاقتصادية وثقل الديون، وهكذا صعد النازيون. أما في اليابان، فكما رأينا، تراجعت "ديمقراطية عصر تايشو"، تحت تأثير الأزمات الاقتصادية والسياسية فصعد العسكر، وخُنقت الديمقراطية وإصلاحات عصر الميجي. انضمت اليابان إلى دول المحور في سبتمبر 1940، وكلما تعزز تحالفها مع ألمانيا النازية ارتفعت داخلها وفي حياتها الثقافية والإعلامية الأصوات المؤيدة لهتلر وحزبه، ودعا البعض إلى أن تُعبر اليابان عن علاقتها الوثيقة بألمانيا عن طريق تبني "معادة السامية" كسياسة قومية للبلاد، "فلو كان اليهودي بريئاً من هذه التهم لما عاداه هتلر والمجتمع الألماني"! غير أن الكثير من الأصوات الناقدة للنازية كانت تسمع حتى 1933، ومنها ما جاء في صحيفة "أساهي" يوم 1933/3/5، من نقد لاذع لسياسات اضطهاد اليهود في ألمانيا، وقالت الصحيفة: "لقد أسهم العالمان آينشتاين وهيبر في عظمة ألمانيا أكثر من مئة هتلر"! كما حذرت الصحيفة في أعداد أخرى من مخاطر السياسات النازية وأهدافها على أوروبا. وظهرت مقالات نقدية ضد النازية في المجلات اليابانية الثقافية، ومنها كتابات "كاتسموتو سيشيرو" الباحث في مجال الأدب، وكتابات "بابا تسونيغو" الناقد الأدبي، ورئيس التحرير السابق لصحيفة "جابان تايمز" ، والناشط الاشتراكي المسيحي "كاجاوا تويوهيكو"، والمصلح الاقتصادي "مينوبي ريوكيتشي"، والبروفيسور "كيو واكي جنيوكو"، أستاذ الفلسفة في جامعة طوكيو الملكية، والمفكر "هوشي ريتشيرو". كانت كتابات النقاد والصحفيين اليابانيين عن النظام النازي الجديد في ألمانيا واضحة في أحيان كثيرة ولكنها محدودة الأفق. فقد غطوا انتخابات 5 مارس 1933، والهجوم المدمر الذي قام به النازيون على اليهود بعد فوز الحزب النازي في هذه الانتخابات، وكيف تطور الهجوم ليشمل الشيوعيين والعمال وبقية المعارضة، ولكنهم شككوا في دلالات الانتصار النازي وهوَّنوا من شأنه. وحلل بعضهم هذا الانتصار على ضوء فرضية تقول إن القيادة النازية صديقة للشركات الكبرى والرأسماليين، فلا يمكن إذن ولا يعقل أن تهاجم الرأسماليين اليهود، واعتبرها البعض مجرد لعبة وخداع. كما بالغوا من ناحية أخرى في قدرات خصوم الحزب النازي على مجابهته، وأن هؤلاء سينتصرون في النهاية عليه. لم يكن اليهود وحدهم ضحايا النازية، بالطبع، فالكثيرون غيرهم من المفكرين الذين وقفوا ضد النازية نُفوا من ألمانيا وصودرت ممتلكاتهم، وأحرقت كتبهم. الياباني "كواواكي جنيوكو" أدان السياسات النازية، وقال إنها ستحطم الأمة الألمانية. كاتب ثان هاجم بشدة السياسات العنصرية للنازيين وقال إنها مدمرة ومريضة، وأضاف "ينبغي تغيير عنوان كتاب شبنغلر من انحدار الحضارة الغربية إلى انحدار ألمانيا، لأن الانحراف نحو القومية العنصرية ببساطة نوع من التدمير الذاتي". الكتاب "يانيهارا" اعتبر النازية "حركة رجعية مضادة للاشتراكية والشيوعية". مع أواخر ثلاثينيات القرن، وتحكم هتلر وحزبه بمصير ألمانيا، ازداد التأثير الفكري للنازية على اليابان. فتمت ترجمة مذكرات هتلر "كفاحي" Mein Kampf سنة 1937، كما ظهر كتاب "الحرب بين اليهود واليابان" لألفريد ستوستز في العام نفسه. وازداد الاهتمام باليهود في الصحافة والمنشورات اليابانية، بل ظهرت دوريات متخصصة في هذا الشأن ومنها سلسلة "دراسات في قوى العالم السرية" التي ظهرت سنة 1936، وكانت صفحاتها ما بين 288و437، وطبعت على الصفحة الأولى من الكتاب عبارات من قبيل "تناول الكتاب بحذر"، أو"سري جداً". ثم حلت محل هذه السلسلة مجموعة "دراسات يهودية" Yudaya Kenkyu التي بدأت بالصدور بشكل شهري ابتداء من مايو 1941. ومن نماذج كتابات هذه المرحلة مقدمة "يونيموتو سانجي" لترجمة كتاب "والتر بيرفتز"، " أربعة آلاف عام من التاريخ اليهودي". نحن على شيء من العلم بالدور الذي لعبه اليهود في التاريخ الحديث، وبخاصة في الثورة الفرنسية والثورة البلشفية. غير أننا عندما نتأمل الخونة اليهود الذين طعنوا ألمانيا من الخلف، خلال الأيام العصيبة من نهاية الحرب العالمية الأولى وما تلاها، لا يسعنا إلا أن نؤيد سياسات ألمانيا نحوهم اليوم" وهكذا ركز المترجم الياباني على "خيانة اليهود للألمان"، وتغاضى عن الوحشية النازية في تعاملها مع اليهود وبقية المعارضة والشعوب.