افتتاحية صحيفة "الاتحاد"، المنشورة في عددها رقم (10672) الصادر يوم الخميس 9 من شعبان 1425 هـ الموافق 23-9-2004، كانت غير مسبوقة من الصحيفة التي عرفت برصانتها وحصافة كتابها وحرصها على التقاليد الراقية في الخبر والتعليق والرأي.
والافتتاحية في "الاتحاد" هي التي تعبر عن وجهة نظر الصحيفة، وتحرص إدارتها على ذكر ذلك صراحة، بصفة دائمة، تحت افتتاحيتها اليومية. وبالتالي فإن المسؤولية الصحفية الأدبية، والمسؤولية القانونية بصورها كافة تتحملها الصحيفة نفسها لا الكاتب الذي يكتب الافتتاحية ولا غيره من الأشخاص أو الجهات. في العدد المذكور تناولت الافتتاحية مسألة قتل شخصين أميركيين في العراق، ونسبت الافتتاحية إلى فضيلة العلامة الأستاذ الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أنه هو الذي حرَّض على هذا القتل بإفتائه بجواز قتل المدنيين الأميركيين في العراق. واستعمل كاتب الافتتاحية لغة غير معتادة في النقد الفكري، بل استعمل لغة وألفاظاًَ وتراكيب يعاقب عليها القانون في الإمارات العربية المتحدة التي تصدر فيها "الاتحاد"، وفي معظم البلاد العربية التي توزع فيها. ووصف فتاوى الشيخ القرضاوي ـ وهو أكبر علماء أهل السنة المعاصرين ـ بأوصاف لا يليق أن توصف بها الآراء والأفكار مهما كانت درجة الاختلاف مع أصحابها.
والغريب أن الافتتاحية مبنية على أمر نفاه العلامة الشيخ يوسف القرضاوي مرتين أو ثلاثاً. ذلك أن بعض الصحف ووكالات الأنباء نسبت إلى الشيخ يوسف القرضاوي أنه أفتى "بجواز قتل المدنيين الأميركيين في العراق"، وأنه قال ذلك في أثناء محاضرة له في نقابة الصحفيين المصريين ألقاها يوم الثلاثاء الموافق 31-8-2004، فلما بلغ هذا النقل الشيخ يوسف القرضاوي ـ وكان آنئذ في الخرطوم يرأس وفد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لتقصي الحقائق وإصلاح ذات البين في أزمة "دارفور" ـ سارع بإصدار بيان أعلنه في المؤتمر الصحفي الذي عقد في فندق "هيلتون" بالعاصمة السودانية صباح يوم الثلاثاء 7-9-2004 ونشرته صحف ووكالات أنباء عربية وأجنبية عديدة.
والمرة الثانية التي نفى الشيخ القرضاوي فيها نبأ هذه الفتوى المنسوبة إليه كانت في مؤتمره الصحفي الذي عقده هو في مدينة الدوحة, ونقلته حياً على الهواء قناة "الجزيرة" الفضائية ونقلته عنها عشرات القنوات التلفزيونية في العالم كله، وكان ذلك قبل نشر افتتاحية "الاتحاد" بأكثر من أسبوع كامل!
ثم ظهر الشيخ يوسف القرضاوي في برنامجه الشهير "الشريعة والحياة" في أول حلقة له بعد وفاة الأخ الكريم الأستاذ ماهر عبد الله، وتحدث عن موقف الإسلام من المدنيين في أثناء النزاعات المسلحة، ونفى بوضوح أن يكون قتل الأسرى جائزاً أو يكون هو قد أفتى به.
وأصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بياناً مطولاً وزع باللغتين العربية والإنجليزية بعنوان "حكم الاختطاف واتخاذ الرهائن"، وكان ذلك أيضاً قبل نشر افتتاحية "الاتحاد"، وقد تناقلت البيان وكالات الأنباء العالمية، ونشرته الصحف البريطانية الكبرى، وصحف أمريكية وفرنسية عديدة، فضلاً عن المواقع الإسلامية على شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت". وفي هذا البيان، الذي شارك في صياغته ومراجعته الدكتور القرضاوي نفسه، وصف "الاتحاد" العالمي لعلماء المسلمين الخطف واتخاذ الرهائن، سواء وقع على المسلمين أم على غير المسلمين، بأنه اعتداء على الغير، وبغيٌ محرم؛ وأنه عمل من الأعمال الحربية فلا يجوز إطلاقاً خارج نطاق الحرب؛ والمخطوف في حالة الحرب يكون أسير حرب لا يجوز قتله بل مصيره إلى إطلاق سراحه قطعاً لقول الله تعالى "فإما منّاً بعدُ وإمّا فداء" (سورة محمد:40)؛ ولا يجوز، في حالة قيام حرب فعلية، اختطاف الأبرياء أو المدنيين من الأعداء الذين لا يجوز توجيه الأعمال الحربية ضدهم؛ وأضاف بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أنه "لا يجوز احتجاز المدنيين من الأعداء كرهائن وتهديدهم بالقتل بسبب عمل يرتكبه أو يمتنع عنه غيرهم وليسوا مسؤولين عنه ولا يمكنهم منعه". وهذا البيان صادر عن الاتحاد الذي يرأسه الشيخ يوسف القرضاوي وقد وزع ونشر باسم هذا الاتحاد في العالم بأسره.
فما المطلوب من القرضاوي فوق ذلك؟ وهل هناك أكثر من أن ينفي بنفسه ثلاث مرات في بيانات منشورة ومؤتمرات صحفية وبرامج تلفزيونية صدور فتوى عنه بجواز قتل المدنيين؛ ثم أن يقرر في كل مرة أنه لا يستعمل كلمة "قتل" أصلاً في مثل هذا المقام لأن القتل يحتاج إلى محكمة تحاكم الإنسان، وقاضٍ عادل يدينه بعد أن تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه، ونحن في مقام "المقاومة" للاحتلال وما يحف به من أعمال بعضها جائز مشروع وبعضها محرّم ممنوع فأين ذلك من القتل؟ وأن يصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه العلامة الشيخ يوسف القرضاوي نفسه البيان الذي لخصت أهم نصوصه آنفاً؟
وهل يجوز ـ مع ذلك كله وبعده ـ أن ينسب كاتب الافتتاحية المنشورة في "الاتحاد" إلى العلامة الشيخ يوسف القرضاوي أنه أفتى بخلاف ما قاله


