لم يكد الحبر الذي وقعت به الاتفاقيات الأولى مع المتمردين في جنوب السودان يجف حتى كانت الفتنة في دارفور قد بدأت. وقد نشرت «الأسبوع» القاهرية خلاصة الحقائق في دارفور كما رويتها ـ بعد زيارة وفد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إلى هناك ـ في حلقة برنامج بلا حدود الذي يقدمه الإعلامي المعروف الأستاذ أحمد منصور على قناة «الجزيرة». ونشرت مجلة الكتب «وجهات نظر» المصرية وصفاً تفصيلياً لحقائق الواقع في دارفور وجذوره التاريخية (عدد شهر أكتوبر 2004) بحيث أجدني في غير حاجة إلى تجديد القول في شأن هذه الفتنة. ولأن الحقائق بدأت تتضح للعالم، والأكاذيب التي ساقتها ألسنةٌ وأقلامٌ ـ كان يظن بها الحرص على الصدق ـ بدأت في التكشُّف، ونيران الفتنة التي أشعلت عمداً في دارفور أخذت في الخمود والانطفاء، فقد أخذت القوى الحريصة على تفتيت السودان وإضعافه في التحضير لفتنة جديدة، تأتي هذه المرة من شرق السودان بعد أن استنفدت فتن الجنوب والغرب طاقاتها على الإضرار بالسودان في عروبته وإسلامه وانتمائه الإفريقي الأصيل.
تأتي الفتنة هذه المرة من إثارة النعرات القومية لدى قبائل البجا (أو البجة)؛ فقد نشرت الحياة (العدد الصادر في 3/10/2004) أن «المعارضة المسلحة» في شرق السودان اعتمدت لغة «البداويت» التي تتكلم بها غالبية قبائل البجا لغة رسمية في «المناطق المحررة» التي تسيطر عليها القوات الموالية للمعارضة. وأن «اللجنة الدولية للإنقاذ»، وهي لجنة أميركية، احتفلت رسمياً يوم 1/10/2004 بمشروع كتابة لغة البداويت بإصدار خمسة كتب بهذه اللغة وبدء تعليمها في 19 مدرسة في شرق السودان ابتداءً من الشهر المقبل (نوفمبر 2004). وتقول الحياة إن عمر هذا المشروع سنتان، وإنه يثير تساؤلات عن أهدافه ومدى ارتباطه بمواجهة اللغة العربية، التي هي اللغة الوحيدة التي يتفاهم بها كل أهل السودان، حتى إن جون قرنق عندما أراد أن يخاطب القوات التي كانت تقاتل تحت إمرته بمناسبة اتفاقات السلام خاطبها باللغة العربية التي تعلمها هو على يد أحد أبناء النوبة (!) تمهيداً لدوره الجديد كنائب رئيس لجمهورية السودان.إنَّ في السودان نحو مائتي لغة محلية عدد المتكلمين ببعضها يتراوح بين عدة مئات وعدة مئات آلاف، فهل تريد «اللجنة الدولية للإنقاذ» إحياء هذه اللغات جميعاً؟ وماذا يبقى بعدها ـ لو اعتمدت مائتي لغة ـ من الوحدة الثقافية والفكرية في السودان؟
إن أعداد البجا في شرق السودان، حسب التقديرات الرسمية، نحو نصف مليون شخص، وتزعم المعارضة أنهم مليونان، يتوزعون على السودان والحبشة ومصر وإريتريا (!) وهم لا يتحدثون لغة واحدة بل لهم لغتان كلتاهما تنطق ولا تكتب: لغة البداويت (وهو الاسم الأصلي لقبائل البجا) ولغة (التقراي) التي يتحدثها (بنو عامر) إحدى أكبر العشائر البجاوية، وهناك لغة ثالثة أقل أهمية هي اللغة (التقرينية) تتحدث بها عشيرة (الحباب). فأي لغة من هذه اللغات الثلاث يراد إحياؤها لتكون لغة رسمية لشرق السودان؟ أم يجب إحياء اللغات الثلاث، وتدوينها لأول مرة في التاريخ، ليتحقق الغرض الأسمى للقوى لدولية، فينقسم الشرق على نفسه أقساماً ثلاثة، وربما ينقسم السودان الكبير ـ بمثل هذه الجهود ـ مئة قسم؟!
إن البجا كلهم مسلمون، واللغة الجامعة بين بطونهم وعشائرهم منذ أكثر من ألف وثلاثمائة عام هي اللغة العربية، وبعض الباحثين يقرر أن لغة البداويت نفسها تتوزع على ثلاث لهجات: في الشمال لهجة (البشاريين)، وفي الوسط لهجة (الأمارأر)، وفي الجنوب لهجة (الهندندوة). فهل نحتاج لتحقيق أغراض الجمعية الأميركية ـ التي تسمي نفسها دولية ـ للإنقاذ إلى إحياء هذه اللهجات الثلاث في لغة البداويت نفسها وتدوينها، والتأليف بها أيضاً؟ ثم نفعل ذلك في كل لهجة توجد في لغة أخرى من لغات البجا ولغات غيرهم من القبائل التي شكلت بتجمعها السودان الإفريقي العربي الذي نعرفه اليوم (!)
والبجا يعيشون ـ كما قلت ـ في السودان والحبشة وإريتريا ومصر؛ فهل يراد من الجهود الرامية إلى صنع قومية بجاوية أن تنزع من كل دولة من هذه الدول بعض أراضيها التي يسكنها بعض البجا لتقام لهم دولة قومية مستخلصة من أربع دول قائمة ومستقرة؟!
وماذا ستفعل اللجنة الأميركية للإنقاذ في القبائل الموزعة بين السودان وليبيا وبين السودان وتشاد وبين السودان وأفريقيا الوسطى وبين السودان وسائر الدول المحيطة به (للسودان حدود مع تسع دول إفريقية وتعيش قبائل الرعاة الرُّحل متنقلة بين هذه البلاد جميعاً وبين السودان طلباً للكلأ والماء، ومنها قبائل البجا نفسها فهم رعاة رحل وقليل منهم جداً من لهم موطن مستقر)؛ هل ستسعى إلى اقتطاع أراضي من هذه الدول جميعاً لصنع دويلات لهذه القبائل واجتثاثها من أوطانها الأصلية نكاية في السودان وحكامه الذين لم يرض الأميركيون عنهم حتى الآن؟. وما موقف هذه الدول المجاورة للسودان من هذا المخطط (إن صح وجوده) الذي يسعى للانتقاص من أراضيها وثرواتها وسكانها جميعاً؟
والدولة الأولى بالسؤال هنا هي


