القراءة والتنمية المعرفية المستدامة
مازلنا نؤكد أن القراءة تمثل تاج المعرفة وجوهرها، وأنها تمثل الطريق الذي يهبنا مفاتيح العبور الآمن لمجتمع المستقبل، كما أنها تعد الوسيلة الأساسية التي تمكننا من استيعاب متطلبات هذا المجتمع، وتكوين القدرات التي تمثل أهم شروط البقاء والتفاعل الخلاق مع مجتمع المعرفة وثورة المعلومات. بدءاً من القدرات المعرفية البسيطة، التي تمكننا من فك رموز أولى أبجديات المعرفة، وانتهاء بالقدرات المعرفية الأكثر تعـقيداً.
ونسعى في هذا المقال الحالي إلى تأمل طبيعة العلاقة بين القراءة والتنمية المعرفية المستدامة، من خلال تحديد معنى هذه الأخيرة، وأهم شروط تحقيقها، وكيف يمكن أن تكون القراءة بمثابة الوسيلة الأساسية لتحقيق التنمية المعرفية المستدامة.
وبداية يمكن القول إن القراءة هي الوسيلة الأساسية التي تمكننا من فك رموز أولى أبجديات المعرفة، والخروج من شرنفة الأمية. وذلك من خلال معرفة القراءة والكتابة، بل إن القراءة هي التي مكنت المجتمعات البشرية من أن تنتقل من المرحلة الشفاهية إلى مرحلة الكتابة. وكان ذك بمثابة الثورة المعرفية الأولى في تاريخ البشرية، من ثم فإن القدرة على التعلم والـتعليم، والقدرة على الخروج من شرنقة الأمية تعد أولى القدرات اللازمة للتعايش والتفاعل الخلاق مع مجتمع المعرفة.
لكن تعلم القراءة الكتابة والقضاء على الأمية الأبجدية. لم تعد تمثل القدرة البشرية التي تكفي لهذا التعايش، وذاك التفاعل مع مجتمع المعرفة وثورة المعلومات، حيث تعقدت وتنوعت سبل المعرفة؛ وبات اكتسابها، والقدرة على توظيفها بحاجة إلى قدرات معرفية أكثر تعقيداً: يكفي أن نعرف أن مفهوم الأمية لم يعد يعني- في عصر المعرفة وثورة المعلومات- عدم معرفة القراءة والكتابة، بل أصبح يعني عدم القدرة على التعامل والتفاعل مع أدوات عصر المعرفة: وأهمها ثورة الاتصالات والإنترنت.
فكيف لنا أن نكتسب هذه القدرات.. وما السبيل إلى تعزيزها ودعمها؟
إن القراءة هي الوسيلة الأساسية التي تمكننا من اكتساب وتكوين القدرات المعرفية اللازمة للتفاعل والتعامل الإيجابي مع عصر المعرفة وثورة المعلومات، كما أنها الوسيلة الأساسية التي تمكننا من تطوير هذه القدرات وتعزيزها. وهي الوسيلة التي تمكننا من تكوين القدرات اللازمة للتعليم والتعلم المستمر أو المستدام، ولاشك أن التعليم والتعلم المستمر يمثل الشرط الأساسي لتحقيق التنمية المعرفية المستـدامة. ويؤكد كل ما سبق أن القراءة هي الوسيلة الأساسية لتحقيق التنمية المعرفية المستدامة، فما المقصود بالتنمية المعرفية المستدامة؟ وكيف تعد القراءة بمثابة الوسيلة الأساسية لتحقيق التنمية المعرفية المستدامة؟ لقد كثر الحديث - في هذه الآونة - عن مفهوم الاستدامة، كما أصبح هذا المفهوم مرتبطاً بكل جوانب الحياة، ومن هنا يأتي التأكيد على التنمية البشرية المستدامة؛ التي تعني في أبسط معانيها استدامة أو استمرار تحقيق التنمية مع ضمان تحقيق احتياجات وطموحات الأجيال الحالية، والمحافظة- في الوقت نفسه - على نصيب الأجيال المقبلة من ثروة المجتمع. وكذا التأكيد على ضرورة تحقيق الاستدامة البيئية، التي تعني المحافظة على الموارد البيئية، خاصة تلك الموارد القابلة للنضوب. وتحقيق سبل المعيشة المستدامة، التي هي قرين تحقيق التنمية البشرية المستدامة، وما يترتب على تحقيقها من ضمان تحقيق سبل العيش المستدام، أي تكوين القدرات والأنشطة اللازمة للعيش. وتعد هذه السبل مستدامة عندما تكون قادرة على التكيف مع الضغوط والصدمات وعلى التعافي منها وعلى الاستمرار والتجدد في الحاضر والمستقبل.. وأن النقص في رأس المال البشري يؤدي إلى عدم القدرة على تحقيق سبل المعيشة المستدام (أنظر تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الأسكوا) دليل تطبيق سبل العيش المستدام، 2011). ولاشك أن القراءة المستدامة هي الضامن الأساسي لتكوين رأس المال البشري، الكفيل بتحقيق متطلبات التنمية المستدامة. ومن هنا يمكن القول إن القراءة تفضي ليس فقط إلى تحقيق التنمية المعرفية المستدامة، بل تفضي في الوقت نفسه إلى تحقيق سبل العيش المستدام.
فإذا كانت الاستدامة المعرفية تعني في هذا السياق تحقيق المعرفة على المدى الطويل أو تحقيق المعرفة المستمرة والمتواصلة. بما يترتب على ذلك بالطبع من تحقيق المعرفة في الحاضر وفي المستقبل، فإن القراءة هي التي تمكننا من:
تكوين وتطوير القدرات المعرفية للفرد والمجتمع، بما يفضي إلى تراكم رأس المال البشري والثقافي والمعرفي. من ثم فإن تكوين هذه القدرات المعرفية باتت تمثل أهم الشروط اللازمة لتحقيق ليس فقط التنمية المعرفية المستدامة، كما أنها تضمن - في الوقت نفسه - تحقيق سبل العيش المستدام.
- تكوين القدرات اللازمة للتعليم والتعلم المستمر، بدءاً من تعلم كيفية فك رموز أولى أبجديات المعرفة، من خلال تعلم القراءة والكتابة، والخروج من شرنقة الأمية الأبجدية، مروراً بتكوين القدرات المعرفية الأكثر تعقيداً، مثل القدرة على الفهم والتفسير والتأمل، والقدرة على التفكير النقدي.
- تكوين القدرات التي تساعدنا على تنمية ومواصلة الإبداع والابتكار، وأن القدرة على الإبداع والابتكار تعد من أهم وسائل تحقيق التنمية المعرفية المستدامة، فضلاً على التفاعل الإيجابي مع طبيعة الثقافة العالمية.
- تنمية القدرة على البحث والتطوير، حيث يمكننا من خلال ذلك ليس فقط متابعة كل ما هو جديد في فضاء المعرفة، بل يمكننا، في الوقت نفسه، من التفاعل الإيجابي مع هذا الجديد، وتعزيزه وفق ما تقتضيه ظروف المجتمع وبما يلائم احتياجاتنا المعرفية والثقافية.
وختاماً فإذا كانت القراءة هي الوسيلة التي تمكننا من تكوين وبناء جسد المعرفة وبنيانها، وتطوير هذا البنيان؛ فإن التنمية المعرفية المستدامة هي الروح التي تهب هذا الجسد القدرة على الحياة والقدرة النمو والقدرة على التجدد؛ والقدرة على التفاعل الإيجابي والخلاق مع مجتمع المعرفة وثورة المعلومات.