المتمسيحون الصهاينة: نبوءات تدميرية
يشكل «المسيحيون الصهاينة» (وهم حقاً متمسيحون ولا تكاد توجد صلة لهم بالمسيحية) أكبر مجموعة غير يهودية داعمة للدولة الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية. ويبلغ عدد هؤلاء نحو (20 مليون) أميركي غالبيتهم من طائفة المعمدانيين الجنوبيين الذين يشكلون القاعدة الانتخابية الأساسية للحزب الجمهوري هناك. وهم أصحاب مذهب أصولي يؤمن بفكرة «القدوم الثاني للسيد المسيح» وما يسبقه من أحداث يجب أن تتحقق: أهمها على الإطلاق «عودة اليهود إلى فلسطين»، «إقامة ولاية إسرائيل»، «بناء المعبد في القدس»، «زوال ولاية إسرائيل» أثناء الحرب الطاحنة بين قوى الخير وقوى الشر المعرّفة باسم «أرماجيدون»، وأخيراً «عصر الحكم الرباني»، حيث «يأتي المسيح ليحكم العالم من مدينة القدس».
لقد تمكن هذا المذهب الأصولي المسيحي من مد جذوره الدينية في بريطانيا خلال القرن السابع عشر الميلادي، حيث كان «أوليفر كرومويل»، القائد العسكري والسياسي الإنجليزي المحنّك من أشد الداعمين لهذا المذهب. وقد آمن كرومويل، وهو من طائفة «المسيحيين الطهوريين»، آمن بأن «انتصاراته على أعدائه كانت نتيجة دعم الله له في حروبه». وبعد كرومويل أظهر أصولي مسيحي إنجليزي آخر هو «ويليام بلاك ستون»، وكان من أكبر القضاة في بريطانيا، أظهر تأييداً لـ«مبدأ عودة اليهود إلى فلسطين» من أجل التعجيل بـ«القدوم الثاني» حيث تقوم «مملكة السماء في القدس» تحت حكم السيد المسيح الحاكم الرباني في «عصر الحكم الرباني». وفي وقت لاحق، امتدت جذور هذا المبدأ الأصولي المسيحي أيضاً في الولايات المتحدة الأميركية، حيث كان أول من بشّر به القس الأميركي «جون نيلسون» في عام 1909، وارتكزت عظاته الكنسية على مبدأ «آخر الزمان». وكان «نيلسون» يعتمد كتاباً دينياً يفسر التوراة والإنجيل لا يزال حتى يومنا الحاضر المرجع الديني الأول للأصوليين المسيحيين في الولايات المتحدة، ألا وهو كتاب «The Cyrus Scofield Reference Bible».
ولكي تتحقق النبوءة التوراتية بـ«عودة اليهود إلى فلسطين»، والتي يجب أن تحدث قبل «القدوم الثاني»، جهد المؤمنون بهذه النبوءة لتحقيقها، وكان من بينهم «جيمس بلفور» الذي كتب «إعلان بلفور» على شكل رسالة إلى اللورد «ليونيل روتشيلد» في 1917 يعلن فيها تأييد ودعم الإمبراطورية البريطانية «إقامة وطن لليهود في فلسطين». كذلك «هاري ترومان» الرئيس الأميركي الثالث والثلاثون، الذي تبوأ سدة الحكم من (1945 – 1953) وكان أيضاً من المؤمنين البارزين بمذهب «القدوم الثاني» المعتمد على «عودة اليهود إلى فلسطين» وعلى إقامة «ولاية إسرائيل». وفي سياق ذلك، كان «ترومان» أول من اعترف بإقامة الدولة الصهيونية على أرض فلسطين. وفي الثمانينيات، تعزز هذا المذهب بكون «ريجان»، الرئيس الأربعين للولايات المتحدة الأميركية (1981 – 1989) من أشد المؤمنين بهذا المذهب الأصولي المسيحي، الأمر الذي جعله يقيم حلفاً بين جماعة هذا المذهب الذين باتوا يدعون أنفسهم باسم «المسيحيون الصهاينة»، وبين الحزب الجمهوري الأميركي، حتى أصبحوا يشكلون غالبية المقترعين للحزب في أي انتخابات أميركية.
وفي هذه الأيام، يلحظ المرء كيف أن المسيحيين الصهاينة باتوا يمسكون بالقرار السياسي في الحزب الجمهوري، فغدوا من أشد الداعمين للدولة الصهيونية. ولأن «المسيحيين الصهاينة» هم من يقررون السياسة الأميركية في الكونجرس، أصبحت أجندتهم الدينية سياسية بامتياز، وهو الأمر الذي يؤثر اليوم تأثيراً مريعاً على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، والتي بات جل همها أولاً وأخيراً حماية إسرائيل.
لقد أخذ «المتمسيحون -المسيحيون اليهود» النبوءة التوراتية حرفياً وليس روحياً. وهم، هذه الأيام، يشتغلون على تحقيق المبدئين اللذين لم يتحققا إلى الآن من أجل أن يتم «القدوم الثاني» الذي -وفقاً له- يأتي المسيح ليحكم العالم من مدينة القدس. المبدأ الأول المتبقي والذي لم يتحقق إلى الآن هو بناء «الهيكل اليهودي» في القدس. أما المبدأ الثالث واجب الحدوث فيتجسد في «المعركة الفاصلة بين الخير والشر»، أي بين اليهود والمسلمين، حيث تزول إسرائيل في هذه الحرب الطاحنة. لهذا لا يؤمن «المسيحيون الصهاينة» بأي شكل من أشكال الحوار والمفاوضات لدعم حل سلمي بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، لأن مثل هذا الحل سيمنع -من منظورهم- حدوث «المعركة الفاصلة» التي يتم فيها تدمير إسرائيل تمهيداً لمجيء المسيح ثانية إلى هذه الأرض. وعلى درب إشعال هذه «المعركة الفاصلة»، أصبح «المسيحيون الصهاينة» من أكبر الداعمين للمستعمرات (المستوطنات) الصهيونية في أراضي فلسطين المحتلة، بل أنشأوا «البنك المسيحي لأجل إسرائيل» لتمويل إنشاء وتوسيع المستوطنات. وهذا كله، ليس لأجل مساعدة إحسانية لليهود، بل لأجل تسعير العداوة بين الإسرائيليين والفلسطينيين وباقي المسلمين. وعلى درب إشعال «المعركة الفاصلة»، بات «المسيحيون الصهاينة» من أشد الداعمين لإقامة «الهيكل» وتدمير الحرم الشريف في القدس.
وفي سياق مزيد من الخزعبلات والأساطير، وحسب اعتقاد بعض الأصوليين اليهود المتطرفين، فإن علامة البدء ببناء الهيكل (حسب التوراة) تأتي بعد ولادة بقرة ذات لون مميز (أصفر بني). ولأن هذا اللون غريب جداً، بل ربما يكون مستحيلًا، بدأ العمل منذ سنوات على هندسة جينية تنتج بقرة تحمل اللون التوراتي «المميز» لكي يبدأ اليهود بإنشاء الهيكل المزعوم في القدس. ولأن مثل هذا العمل، بحد ذاته، سيجلب معركة طاحنة بين إسرائيل وأنصارها من جهة وبين سائر المسلمين في أنحاء العالم من جهة أخرى، فإنه الحدث الذي يبتغيه «المسيحيون الصهاينة»، وذلك من أجل زوال إسرائيل كشرط مسبق يأتي من بعده «الحكم الرباني» بقيادة المسيح في القدس!
وكي ندرك خطورة «المسيحيين الصهاينة»، نشير إلى أن لديهم 80 ألف مبشر، عظاتهم كلها ترتكز على «القدوم الثاني»، وكذلك (400) محطة إعلامية أهمها «القناة التلفزيونية الأميركية» التي يديرها «بات روبرتسون»، والتي تغسل أدمغة ملايين الأميركيين يومياً ببرامجها المؤيدة للسياسة الصهيونية الاستعمارية العنصرية. وفي سياق التعرف على حقيقة روبرتسون هذا، نتذكر موقفه الذي هاجم فيه شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، هجوماً عنيفاً عندما قرر الأخير الانسحاب من قطاع غزة، بل اتهمه بالكفر بالتوراة! وفي الإطار الأعرض، فإن «المسيحيين الصهاينة» في الولايات المتحدة مستعدون لعمل أي شيء لإشعال الحرب بين إسرائيل والدول العربية والشعوب الإسلامية، لكي تتحقق نبوءة «القدوم الثاني» الذي يشترط في مذهبهم الأصولي الحرفي؛ «زوال إسرائيل ودمار الشرق الأوسط»!