حتى عام 1971 كانت باكستان دولة من جزأين، غربي وشرقي، يمثل المسلمون في كليهما غالبية السكان بعدما انفصلت تلك المناطق عن الهند في حرب دموية. وقد ظل شطرا باكستان يجمعهما كيان واحد، رغم انفصالهما جغرافياً واختراقهما من قبل الأراضي الهندية، لكن بحلول عام 1971 وقع الطلاق وظهرت بنجلاديش كبلد مستقل. هذا الانفصال لم يكن ودياً بعدما اندلعت حرب الاستقلال وما صاحبها من تجاوزات باكستانية وتواطؤ أميركي يكشف عنه الكاتب «جاري باس» في كتابه الذي نعرضه هنا وعنوانه «برقية بلاد... نيكسون وكيسنجر والإبادة المنسية»، والذي يسلط من خلاله الضوء على الخلفية التاريخية لانفصال بنجلاديش والظروف المحيطة التي أودت بحياة الآلاف في ظل صمت دولي وأميركي مطبق. ولتوضيح ما جرى بين شطري باكستان قبل حرب الاستقلال يشير الكاتب إلى أن العلاقة بين الجزأين لم تكن أبداً على ما يرام، ففيما كان الشطر الغربي مهيمناً على البلاد، حيث توجد العاصمة إسلام آباد ومركز السلطة السياسية والاقتصادية والعسكرية، فضلاً عن أنه المكان الذي يضم الأطياف العرقية المشهورة باستعدادها القتالي شبه الفطري (البشتون)، والمزدهرة اقتصادياً (البنجاب)، ظل الشطر الشرقي نهباً للتهميش وأسيراً للفقر والنظرة الدونية. لذا يرى المؤلف أن الانفصال كان متوقعاً لتنطلق فعلياً المطالبة به أواخر عام 1970 أثناء الانتخابات العامة، والتي جاءت نتائجها صادمة للشطر الغربي إثر فوز الشيخ مجيب الرحمن من الشرق فوزاً ساحقاً أهّله لقيادة البلاد، وكان حزبه «عصبة عوامي» يسعى إلى تقليل الفوارق بين الشرق والغرب والحد من حالة التهميش المحدقة بالبنغال. لكن ما حدث أن قادة الجيش والسياسيين لم يستسيغوا أن يتولى رجل من الشرق رئاسة البلاد، فقاموا باعتقاله وإطلاق حملة من القمع طالت السكان. فرد المتظاهرون بالانضمام الكثيف إلى التشكيلات المقاتلة التي ظهرت للمطالبة بالاستقلال. وهكذا بدأت وحدات الجيش الباكستاني المتمركزة في الجزء الشرقي في قمع الطلبة والمعارضين والسياسيين، كما قام الجنود بحرق القرى وقتل الناس، فيما تحول ما لا يقل عن عشرة ملايين من الأهالي إلى لاجئين في الأراضي الهندية، وليتجاوز عدد القتلى 300 ألف قتيل. لكن هذه المعاناة التي بدأت مع حرب استقلال بنجلاديش وما رافقها من عنف واضطهاد، لم تدفع إدارة نيكسون للتحرك، بل تعاملت مع الصراع على أنه شأن داخلي، بينما طالبت رئيسة وزراء الهند المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته لوقف الحرب التي باتت تهدد الاستقرار الإقليمي، وهو ما لم يحدث. بل الأكثر من ذلك، يقول الكاتب، لعبت واشنطن دوراً سلبياً من خلال وقوفها العلني مع إسلام آباد ونقلها شحنات من الأسلحة لباكستان كحليف يصعب التخلي عنه، الأمر الذي شجع الأخيرة على مواصلة سلوكها. لذا يحمِّل الكاتبُ مسؤولية عمليات القتل الواسعة، ليس فقط للباكستانيين، بل أيضاً لنيكسون وكيسنجر اللذين كانا وراء الموقف الأميركي الرافض للتدخل. فقد نُقل عن كيسنجر قوله: «كيف يمكن الذهاب للحرب من أجل مشكلة لاجئين». وقد أرسل نيكسون بوارج حربية إلى خليج البنجال في المحيط الهندي لإخافة الهند التي بدأت مساعدتها للمتردين البنجال. ورغم مراسلات القنصلية العامة الأميركية في بنجلاديش، والتي تكشف حجم القمع الذي كانت تمارسه السلطات الباكستانية، لاسيما القنصل «أراشر بلاد» الذي يستقي المؤلف من اسمه عنوان الكتاب، بل وإبراقه إلى واشنطن، مديناً السياسة الأميركية، فإن المصالح كانت أقوى من أن تسمح بتحرك الولايات المتحدة. وفي تفسيره لهذا الانحياز الأميركي، يطرح المؤلف العامل الشخصي إذ كانت العلاقة بين نيكسون ورئيس الوزراء الباكستاني، يحيى خان، تتسم بإعجاب وتعاطف متبادلين، لكن الأهم من ذلك الاعتبارات الجيوسياسية، إذ كانت باكستان حليفاً مخلصاً لأميركا إبان الحرب الباردة، بينما لم تخف الهند ميلها للاتحاد السوفييتي، كما أن كيسنجر كان يستخدم باكستان وقتها كطريق للوصول إلى الصين في إطار محاولات للانفتاح عليها. والنتيجة أن حرب الاستقلال التي اندلعت عام 1971 سممت الأجواء في جنوب آسيا لعقود طويلة، ولم تنته، يقول الكاتب، إلا بعدما تدخل الجيش الهندي ليسحق القوات الباكستانية، لتبقى العلاقات متوترة بين بنجلاديش وباكستان، وبين هذه الأخيرة والهند إلى يومنا هذا. زهير الكساب الكتاب: برقية «بلاد»... نيكسون وكيسنجر والإبادة المنسية المؤلف: جاري باس الناشر: نوف تاريخ النشر: 2013