التصنيف العمري للكتب
لم أجد شيئاً عن التصنيف العمري للكتب في الإنترنت، ويبدو أن هذه المسألة غير متداولة إلا في الغرب حيث تصنف الكتب حسب المراحل السنية، لكنها فكرة قد يكون من المفيد طرحها على طاولة النقاش، بعد أن تلقيت رسالة إلكترونية من أم تعتب علي لأنني طرحت في كتاب لي أفكاراً غير مناسبة -حسب وجهة نظرها- للمرحلة العمرية لابنها الذي وجدته يقرأ كتابي، فلم أعرف كيف أرد عليها.
ومن المعروف أن هناك تصنيفاً عمرياً للأفلام السينمائية ولألعاب الفيديو، وتقوم فلسفة هذا التصنيف على أن الأطفال والناشئة لديهم قابلية عالية للتأثر بما يشاهدونه، خصوصاً أن قدرتهم على محاكمة ما يرونه ضعيفة نظراً لعدم اكتمال نضجهم العقلي والنفسي، ومن ثم يأتي التصنيف كخط حماية لهؤلاء لا يحق لهم تجاوزه، وإن فعلوا، فإنه لا مسؤولية على منتج الفيلم أو اللعبة من أية آثار أو أضرار قد تقع، مثل الأدوية والأسلحة، وبقية الأشياء.
وعند تفكيك الفيلم أو اللعبة وإرجاعهما إلى مصادرهما الأولية، سنجد أنها محض أفكار، إن على شكل قصة كما في الفيلم، أو في قالب تحد كما في اللعبة، والكتب ما هي إلا أوعية تحمل أفكار الكتّاب.
ومن البديهي القول إن الكتاب له تأثير على قارئه، أي سلطة النص على المتلقي كما يعبّر عنها، وهو التأثير نفسه الذي يفرضه الفيلم أو اللعبة، وربما يفوق تأثير الكتاب على القارئ تأثير الفيلم على المشاهد، ذلك أن الفيلم لا يترك مجالاً للمشاهد كي يتصور ما يقوله النص، لأن المخرج يتكفل بذلك، بينما القارئ يصبح مخرج نفسه أثناء قراءة النص، ومن الطبيعي أن تكون لمساهمته في «صنع» المشهد الذي يقرأه، تأثيراً أكبر من رؤية مشهد صنعه له غيره.
فإذا كان تأثير الفيلم واللعبة هو التأثير نفسه الذي يفرضه الكتاب، وإذا كانت هناك تصنيفات عمرية للأفلام والألعاب لحماية الصغار والناشئة مما فيها، فلم لا يكون هناك تصنيف عمري للكتب تحدده دور النشر، وتتولى جهات الرقابة مهمة التحقق من الالتزام به كما تتحقق من مضمون الكتاب في الوقت الحالي؟
وإذا كانت هناك مخاوف من أن تنتهي هذه الرقابة «العمرية» إلى فرض مزيد من القيود على حرية التأليف والإبداع، فإنه يفترض أن يحدث العكس، فالرقيب الآن يضع جميع أفراد المجتمع، من مختلف الأعمار والمراحل، نصب عينيه أثناء مراجعة الكتب، ومن الطبيعي أن يتخذ موقفاً سلبياً من الكتاب حين يلاحظ أنه لا يناسب فئة المراهقين مثلاً، لكن الموقف سيتغير لو كان الكتاب لفئة أكبر من تلك الفئة، ويستطيع في أسوأ الأحوال إعطاء ذلك الكتاب أعلى تصنيف عمري موجود، ليعود إلى بيته مرتاح الضمير.
والأمر نفسه يفترض أن يحدث مع الكتّاب والمؤلفين، حين سيلاحظون أن جهات الرقابة لا تتشدد مع الكتب وإنما تتحقق من التصنيف العمري لها وينتهي الأمر عند هذا الحد، فإن هامشاً أوسع من الحرية سيفتح أمامهم، ليمضوا في التأليف والإبداع من دون أن يخشوا من وقوع كتبهم في أيدي أشخاص غير مؤهلين لهضم ما فيها.
كما أن هذا التصنيف المقترح، سيضفي الطمأنينة على الأهالي من الكتب التي يتداولها أبناؤهم، بدلاً من أن يمنعوا عنهم كتباً لا شيء فيها لمجرد أن أغلفتها مشبوهة في نظرهم، أو عناوينها تعطي انطباعاً غير محبب عن محتواها، وبدلاً من أن يصبوا جام غضبهم على المؤلفين الذين ينبغي عليهم مراعاة حتى الأطفال أثناء ممارستهم حق الكتابة.