«الاشتراكية الديمقراطية» بين النظرية والتطبيق
«الاشتراكية الديمقراطية» تمثل بعض الأفكار العامة المنتقاة من التراث الإسلامي التي يعلمها الجميع ونرددها منذ مئات السنين. وتقول بها كل الدعوات الدينية، ولكن المهم هو تطبيقها في الواقع وتحويلها إلى برنامج محدد تتبناه الجماهير العريضة صاحبة الأغلبية أو ترفضه. فمثلاً، ليس المهم هو الإعلان عن النزعة الإنسانية في الحضارة العربية ولكن الأجدى هو حل عملي طبقاً لهذه المبادئ لقضية التعصب المذهبي والعرقي في العالم العربي، وهو ما يسمى بمشكلة الأقليات.
صحيح أن الإسلام دين وسط، ولكن المهم هو تطبيق هذه الوسطية في أوضاع مقلوبة لا تتعادل فيها كفتا الميزان. ففي مجتمع يسوده التفاوت تتحقق الوسطية فيه بالعمل أولاً من أجل الأغلبية المحرومة. وفي المجتمع الذي تتكالب فيه الطبقات العليا على الدنيا دون الآخرة يتحقق التوازن فيه بدعوتها إلى العمل من أجل آخرتها. وفي المجتمع الذي تجد الطبقات المحرومة في الآخرة تعويضاً لها عن حرمانها في الدنيا يتحقق التوازن في حياتها بالدفاع عن حقوقها في الدنيا. وهنا يختلف التوازن في التطبيق من طبقة لأخرى. ولا يعني التوازن بين الروحي والمادي إطلاق العنان للكسب والربح ثم بناء المساجد وحج البيت رياءً فقط، فذاك تفسير رأسمالي للإسلام. فالإسلام لا يفرق بين الروحي والمادي ولكن يوحّد بينهما. كل نشاط اقتصادي عمل روحي، وكل عبادة عمل مادي. لا يعرف الإسلام التفسير الروحي في مقابل التفسير المادي بل قامت الشريعة الإسلامية على الضروريات الخمس: الحياة، والدين، والعرض، والمال، والعقل، وهي دعائم الحياة لا فرق فيها بين روحي ومادي. ولا يعني التكامل بين العلم والإيمان إجراء التجارب في المعامل، ثم التبرك بأولياء الله بل يعني إقامة الإيمان على العلم والبرهان، وتوجيه العلم لخدمة الرسالة. فالإسلام يوحد بين العلم والإيمان، ولا يجعلهما متجاورين.
ولا تعني الوسطية في الإسلام القضاء على التدافع والصراع، فالصراع هو محرك التاريخ (ولولا دفع الله الناس بعضهم لبعض لفسدت السموات والأرض). ولا تعني الأخوة في الإسلام الحب غير المشروط بل الحب في الله والبغض في الله. والإيمان يقتضي نصرة الحق على الباطل وليس إيجاد التوازن بينهما.
إن أيديولوجية التوازن من الناحية الاجتماعية كانت ولا تزال باستمرار أيديولوجية الطبقة المتوسطة التي تريد الإبقاء على الوضع القائم، وإلغاء الأطراف بدعوى القضاء على الآخر وبهدف الإبقاء على الوضع القائم دون تغييره، وحتى تستمر هذه الطبقة في البقاء فتنافس الأغنياء في غناهم أو تشاركهم فيه. وتتصدق على الفقراء في فقرهم، وفي نفس الوقت تظل أعلى منهم وتستخدمهم لحسابها، ومن المعروف في العلوم السياسية أن هناك نظريتين، السياسة كنظرية في التوازن أو التعادل وهي النظرية الرأسمالية، والسياسة كنظرية في الصراع وهي النظرية الاشتراكية.
ولا يمكن إلزام المجتمع كله بأيديولوجية واحدة وإلا وقعت الاشتراكية الديمقراطية في النظام الشمولي، كما حدث في ثورة 23 يوليو في مصر إبان فترة الخمسينيات من القرن الماضي. بل إن الأنظمة الاشتراكية كلها تسمح بتعدد المداخل النظرية للأيديولوجية الواحدة، ومع ذلك اقتصرت الأيديولوجية على برنامج للعمل الوطني يلتزم به كل المواطنين. ولا يوجد شيء اسمه الأيديولوجية الصحيحة. فكل الأيديولوجيات اجتهادات لتصوير الواقع لصالح الطبقات الاجتماعية المختلفة، ولا يلتزم المواطنون إلا بالدستور. وهم سواء أمام القانون بصرف النظر عن عقائدهم السياسية.
ويظهر التناقض في «الاشتراكية الديمقراطية» بين المبادئ المعلنة والواقع العملي. ففي نفس الوقت الذي تدعو فيه إلى توجيه الدولة للنشاط الاقتصادي، وهو ما يقتضي التنمية والقطاع العام وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج، تشرع سياسة الانفتاح ويعلن البعض عن تصفية القطاع العام وتحويل هيئاته إلى شركات، ويسمح للقطاع الخاص بالانتشار بلا ضوابط، ويفتح الباب على مصراعيه لشركات الاستثمار، وللبنوك الأجنبية، وحرية تداول النقد الأجنبي... إلخ. وفي الوقت نفسه الذي يعلن فيه أن الديمقراطية تقتضي عدم عزل أية فئة من ممارسة العمل السياسي تصدر قوانين يشرعها الاستفتاء الأخير من أجل عزل سياسي، وتصدر قوائم العزل. وفي الوقت نفسه الذي تعلن فيه سيادة القانون قد يتم انتهاك حقوق الأفراد باسم القانون عن طريق إصدار القوانين الاستثنائية، مثل قانون الاشتباه، وقانون العيب، وقانون الطوارئ، وقانون حماية الوحدة الوطنية... إلخ.
وفي الوقت نفسه، الذي يتم فيه رفض سيادة الفكر الأوروبي على الحضارة العربية حماية للأصالة ودفاعاً عن التراث يتم الانتساب إلى الاشتراكية الإصلاحية الغربية، وهي من الإرهاصات الأولى للاشتراكية العلمية التي استمرت فيما بعد لضربها، والتي وجدت فيها النظم الرأسمالية تدعيماً لها ودفعاً لخطر الاشتراكية العلمية عليها. فإذا كانت الاشتراكية الديمقراطية ترفض الأفكار المستوردة ،وهي تعلن انفتاحها على التجارب المعاصرة، فهي تتبنى مذهباً سياسياً غربياً رأسمالياً في حقيقته واشتراكياً في مظهره.
وفي الوقت نفسه الذي يعلن فيه الالتزام بمقتضى «لا إكراه في الدين»، و«لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى» قد تتم فيه التفرقة بين المواطنين على أساس الإيمان وعدم الإيمان، وأن من لا إيمان له لا أمان له. ويتم التخلص من الخصوم السياسيين في أجهزة الإعلام والجامعات وفي جهاز الدولة ومراكز التخطيط على هذا الأساس. وقد يكثر التفتيش في ضمائر الناس وإلقاء التهم بالإيمان والإلحاد على هذا وذاك مع أن كل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقد عصم نفسه وماله وأصبح عضواً في المجتمع الإسلامي.
وبالإضافة إلى هذا التناقض بين النظرية والتطبيق هناك بواعث غير معلنة وراء «الاشتراكية الديمقراطية». الأول، معاداة الاشتراكية ووصفها بأنها ماركسية وتشويهها أمام الشعب، وهو ما درجت عليه كل النظم الرأسمالية في الغرب أولاً ثم في الشرق ثانياً وتذكر العبارة المشهورة «الدين أفيون الشعوب»، وهي عبارة مبتسرة لأن تتمة العبارة «وصرخة المضطهدين». فالدين ممثلاً في بعض رجال الدين، وباعتباره وظيفة اجتماعية يمكن أن يكون في لحظة معينة وسيلة لتخدير الناس وتعويضهم عن مآسي الدنيا كما حدث في تاريخ الكنيسة في أوروبا، ويمكن أن يكون ثورة للمضطهدين، كما كان الحال في المسيحية الأولى وفي حروب الفلاحين في ألمانيا في القرن السادس عشر بقيادة الراهب توماس مونزر. وقد ظهر ذلك أيضاً في اشتراك البوذيين في حركة التحرر الوطني في فيتنام، وفي تفسير ماوتسي تونج لكونفوشيوس في بدايات الثورة الصينية. وقد حدث ذلك أيضاً في دور الإسلام الثوري إبان حرب التحرير الجزائرية وفي دور الرهبان الكاثوليك الشبان في أميركا اللاتينية. لقد كان المضطهدون في مكة والمعذبون والعبيد والفقراء هم أول من آمن بالإسلام، وكان أول من واجهوه هم أشراف مكة وأغنياؤها. والباعث الثاني، أن تكون الاشتراكية الديمقراطية جسر لقاء مع الصهيونية، من خلال الاشتراكية الديمقراطية الدولية بمساعدة الدول الأوروبية الحليفة. وقد بدا ذلك في التحقق فيما بعد مصالحة العدو الصهيوني، اشتراكية ديمقراطية تتحالف مع اشتراكية ديمقراطية أخرى بصرف النظر عن العنصرية والتوسع والغزو واستئصال شعب فلسطين وتشريده وإحلال شعوب أخرى اشتراكية ديمقراطية محله!
إن «الاشتراكية الديمقراطية» لا تستحق كل هذا العناء في بيان تهافتها النظري وتناقضها في التطبيق فسوف تجرفها الأحداث، وينساها واضعوها وهم على استعداد لوضع أيديولوجيات أخرى حسب الطلب، وعندما يأتي الأمر!