للخوف جذور ضاربة في تكوين الشخصية العربية، بل هو جين وراثي مغروس في العقل العربي، بصرف النظر عن أين يعيش هذا العربي. فهناك الخوف من أن يتحدث المرء، من أن يكتب ويقرأ، بل والخوف حتى من سماع الحقيقة. ولطالما شاع هذا الخوف لدرجة أنه شمل حتى المهاجرين العرب الذين حملوا معهم بذرة خوفهم الوراثي إلى مواطنهم الجديدة، فتواروا من خلفه، وتراهم يرفضون الذوبان في مجتمعات البلدان التي اختاروها مأوى لهم. هنا وهناك تعلق ذرات الخوف في الهواء، مانعة وصول الأكسجين إلى العقل العربي، فارضة سيطرتها على عملية التفكير، وتطل برأسها في شكل صحافة ذاتية الرقابة، ونكات عصبية، وتعليقات لا معنى لها، تجهد ساعات وساعات في وصف البياض بأنه سواد. بل إن الخوف يترك أثره حتى على المغتربين والزوار الذين يروحون ويجيئون، لدرجة أن الكثير من الأجانب الذين يعيشون بيننا في العالم العربي، يتحولون إلى نسخ من "لورانس العرب" من خلال كدهم لأن يكون الواحد منهم عربيا أكثر من العرب أنفسهم.
بالطبع فما من أحد ولد على هذه الشاكلة أصلا. فالخوف هو خاصية تكتسب من البيئة المحيطة بالإنسان. فعلى صعيد الوطن، يكون الخوف نتاجا للحكم الأحادي، وللسلطة الوراثية في أنظمة الحكم الجمهورية، كما هو الحال كذلك في نظم حكم الأقليات. كما ينتج الخوف عن رفض الثقافة الديمقراطية والهيمنة الذكورية التي تقصي الإناث كشريكات للذكور على قدم المساواة، بقدر ما ينتج عن سلوك تقبيل اليد المذل للكرامة الإنسانية، بدلا من الكفاءة، كوسيلة لصعود السلم الاجتماعي.
وبالنسبة للمهاجرين العرب، فقد أضحت هذه المخاوف أكثر تعقيدا من ذي قبل، اعتبارا من الهجمات التي شنها تنظيم "القاعدة" في الحادي عشر من سبتمبر على كل من مدينتي نيويورك وواشنطن، التي أعقبتها مضايقات منظمة، وعزل العرب والمسلمين باعتبارهم "إرهابيين" محتملين، وتعمق النظرة العنصرية ومعاملة الآخرين على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية. النتيجة النهائية لكل هذا، هو أن الأطفال العرب ينشؤون وفي ذهنهم أن كل هذا الهراء هو الشيء الطبيعي المألوف. وفي أميركا اليوم، فإن الجالية العربية التي يتراوح عدد أفرادها بين ثلاثة إلى أربعة ملايين عربي، لا صوت لها، بسبب الخوف الذي يعتريها. فكونك صاحب صوت، يعني أن تلفت الأنظار إليك، مما يعني جلب المشكلات –كما يقول لك معظم العرب- مما يعني بدوره إخفاقا تاما في فهم الطريقة التي تعمل بها الديمقراطيات. وفي أوروبا هناك حوالي 35 مليون عربي، انسحب معظمهم إلى حياة الكهوف الثقافية، يتحدثون فيها العربية، يفكرون بالعربية، ويتناولون وجباتهم العربية، بدلا من الانفتاح على المجتمعات التي احتضنتهم.
غير أن الخوف من التغيير، ليس نهجا للحياة، ولا سبيلا مريحا للعيش في عالمنا الحالي. ذلك أن العالمين العربي والإسلامي، يمران الآن بتحولات كبيرة، تتطلب درجة كبيرة من التكيف معها. فحشود الأعداء تقف متربصة في الأبواب، بينما تتزايد في الداخل، الضغوط المطالبة بالتغيير. واليوم فقد أضحت حكوماتنا ومدارسنا ونظمنا الاجتماعية واقتصاداتنا، بل شعورنا بالسلوك الأخلاقي نفسه، نماذج للفشل، انقضى عمرها منذ وقت بعيد. وما لم يقل الكتاب والمفكرون العرب هذا، يوثقونه ويحللونه ويسلطون الاهتمام عليه دون خوف، فإنه لن يكون في وسعنا حتى مجرد البدء بالإصلاح. وما لم نكن قادرين على الإصلاح، فسوف يتبخر ما تبقى لنا من الحضارة العربية، تاركا الساحة خالية لأجندة بديلة، يرسمها ويضعها لنا غيرنا. هذا هو ما يحدث الآن في العراق، وسوف يتكرر حدوثه في أي بلد آخر، تسد فيه منافذ الأكسجين إلى عقول الشعب. وحتى حين تستوعب الصحافة العربية الأخبار، فإنها تمررها عبر مصفاة الخوف الخاصة بها، التي تنعت مجازا بصحة النظرة السياسية، التهذيب واللياقة، القواعد والسياسات المرعية من قبل وزارة الإعلام، وغيرها من نعوت ومسميات، تحيل الحقائق إلى مجرد حكايات خرافية. على سبيل المثال، فقد سمع العالم كله بتصاعد التوترات والأزمة السياسية في لبنان، والضغوط التي يواصل فرضها مجلس الأمن الدولي على سوريا، بغية إرغامها على الانسحاب من الأراضي اللبنانية. غير أن الصحافة العربية الرسمية –الحريصة دوما على عدم مهاجمة "الأخوة العرب"- لن تقول لك إن هناك أزمة، بل إن العلاقات الأخوية تجمع بين كل من لبنان وسوريا، وإن كل الذي يحدث هناك، هو من صنع فرنسا والولايات المتحدة الأميركية اللتين تتدخلان في "الشؤون الداخلية" لسوريا ولبنان. دعك من أن هذه الصحافة لن تحدثك عن أنه قد جرى تعديل الدستور اللبناني كي يسمح للمرة الأولي في تاريخ لبنان، ببقاء رئيس البلاد لمدة تطول عن مدة بقائه المقررة، ولن تقول لك أن رئيس وزراء استقال من منصبه، احتجاجا على هذه التعديلات. يذكر هنا أن للفرنسيين تعبيرهم المقابل في اللغة العربية لمعنى "اللسان الخشبي"، وهو تعبير ما أدقه في وصف الكلام العربي!
فكم مرة سمعت بـ"قتل الشرف" وهو التعبير الذي يستخدم لوصف الممارسات الدموية ال


