تحولات الشخصية المصرية
هناك إجماع بين العلماء الاجتماعيين على أن الشخصية المصرية بتكوينها الفريد وتحولاتها عبر الزمن لعبت دوراً أساسياً في التاريخ المصري القديم والوسيط والحديث. وغنى عن البيان أن الطابع الخاص لهذه الشخصية تفاعل بصورة مختلفة مع السياقات التاريخية المتعددة التي مر بها المجتمع المصري، وهو مجتمع قديم يتكون من شرائح زمنية متراكمة عاشتها أجيال متعددة، ولعبت فيها النخب السياسية أدوراً أساسياً، كما أن الجماهير في كل عصر كان لها بإيجابياتها وسلبياتها -بخنوعها للسلطة وثورتها ضد الاستعمار الأجنبي والقهر السياسي الداخلي- دور حاكم في كل المواقف. ويمكن القول إن الحديث عن الشخصية المصرية يندرج تحت ما يسمى بحوث "الشخصية القومية"، والتي يعني بها أساساً علم النفس الاجتماعي. والشخصية القومية مصطلح يستخدم بوجه عام لوصف السمات النفسية والاجتماعية والحضارية لأمة ما، وخصوصاً تلك التي تتسم بثبات نسبي والتي يمكن عن طريقها التمييز بين هذه الأمة وغيرها من الأمم". وقد تطورت بحوث الشخصية القومية في العقود الأخيرة حيث ظهر مفهوم جديد هو "السلوك القومي ويعنى به حصيلة تفاعل الشخصية القومية مع سياق تاريخي محدد.
وفي تقديرنا أنه لفهم الشخصية المصرية لابد من الدراسة النقدية للسلوك القومي المصري في لحظات تاريخية فارقة، حيث لكل لحظة سماتها المحددة التي فرضتها الظروف الدولية والإقليمية والمحلية. ولذلك نريد أن ندرس الطابع المميز للشخصية المصرية في أربع لحظات تاريخية فارقة هي لحظة هزيمة يونيو 1967، ولحظة انتصار أكتوبر 1973، ولحظة الثورة في 25 يناير 2013، ولحظة الفوضى العارمة عقب 30 يونيو 2014 والتي تسببت فيها جماعة الإخوان المسلمين.
ونستطيع القول إن لحظة الهزيمة سادتها الشخصية "الفهلوية"، ولحظة النصر سادتها الشخصية "الإيجابية"، ولحظة الثورة سادتها "الشخصية الثورية"، وأخيراً لحظة ما بعد 30 يونيو سادتها الشخصية الفوضوية!
وسنبدأ بلحظة الهزيمة والتي تتعلق بسياق تاريخي محدد دار فيها التوتر العنيف في العلاقات الإسرائيلية العربية عموماً والتفاعلات الإسرائيلية المصرية خصوصاً، وتراكمت في هذا السياق وقائع وأحداث متعددة جعلت الشرق الأوسط يعيش فوق صفيح ساخن، وبدأ الصراع الفعلي بين مصر بقيادة عبدالناصر وإسرائيل بقيادة "جولدا مائير" وقيل إن إسرائيل تهدد سوريا عسكرياً وكان رد الفعل المصري عنيفاً إذ اتخذ "عبدالناصر" سلسلة متوالية من القرارات الاستراتيجية التي غيرت الموقف العسكري بين مصر وإسرائيل تماماً. وهذه القرارات الاستراتيجية اتخذها عبدالناصر -للأسف الشديد- دون دراسة دقيقة أو استشارة الخبراء الاستراتيجيين، وهي التي جعلت عجلة "حرب يونيو 1967" تدور بسرعة خاطفة. القرار الأول كان إغلاق خليج العقبة في وجه إسرائيل، والثاني طلب سحب قوات الأمم المتحدة، والتي كانت مرابطة في غزة، والثالث تحريك الجيش إلى شبه جزيرة سيناء في شكل مظاهرة عسكرية حاشدة من دون أي خطة عسكرية، وذلك سعياً وراء ردع إسرائيل حتى لا تهاجم سوريا كما قيل.
بدت حرب يونيو 1967 في النهاية كما لو كانت كميناً أعد بناء على تخطيط إسرائيلي أميركي محكم للإيقاع بنظام "عبدالناصر" وهزيمته هزيمة عسكرية كاملة. ودارت عملية الحرب والتي انتهت في ساعات قليلة، بعد أن نجح الإسرائيليون في ضرب سلاح الجو المصري بالكامل تقريباً على الأرض. واجتاحت القوات البرية الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء ووقفت عند حدود قناة السويس وتم غزو الضفة الغربية كذلك، وبذلك تحولت الحرب إلى هزيمة عربية كاملة.
كان أخطر جوانبها على الإطلاق احتلال سيناء وتهديد القاهرة. ويمكن القول إن هزيمة يونيو 1967 كانت أشبه بالطعنة النافذة التي زلزلت الوجدان العربي من المحيط إلى الخليج. وعقب نهاية الحرب مباشرة دارت معركة "تفسير الهزيمة"، والتي شارك في تحديد أسبابها كتاب عرب متعددون من مختلف الاتجاهات السياسية على رأسهم "د. صادق جلال العظم" بكتابه الشهير "النقد الذاتي بعد الهزيمة" وقسطنطين زريق بكتابه المعروف "معنى النكبة مجدداً"، وكتاب "صلاح الدين المنجد" "أعمدة النكبة السبعة"، وأخيراً كتاب أديب نصور "النكسة والخطأ".
وبالرغم من تميز التحليلات الثرية التي تضمنتها هذه الكتب وتعدد مناهجها وأساليب بحثها، إلا أن أستاذنا العالم الاجتماعي الكبير الدكتور "حامد عمار" تفرد بصك مفهوم جديد أشار به إلى أن السبب الحقيقي للهزيمة -في رأيه- هو سيادة ملامح "الشخصية الفهلوية"، والتي عدد سماتها باعتبار أنها كانت لحظة الهزيمة بسلبياتها، هي التي طغت على إيجابية الشخصية المصرية. صاغ "حامد عمار" هذا المفهوم وحدد خصائصه في إطار دراسة متكاملة جعل لها عنواناً هو "التربية والنمط الاجتماعي والشخصية". وقد حدد سمات الشخصية الفهلوية في عدد من العناصر الأساسية:
أولى هذه السمات هي القدرة على "التكيف السريع لمختلف المواقف وإدراك ما تتطلبه من استجابات مرغوبة، والتصرف وفقاً لمقتضياتها إلى الحد الذي يراه مناسباً. غير أن "حامد عمار" حرص على أن يؤكد على أن هذه القدرة على التكيف السريع تتميز بجانبين متلازمين: أحدهما المرونة والفطنة والقابلية للهضم والتمثل للجديد، والآخر هو المسايرة السطحية والمجاملة العابرة التي يقصد منها تغطية الموقف وتورية المشاعر الحقيقية، مما لا يعني الارتباط الحقيقي بما يقوله المرء أو بما قد يقوم به من مظاهر سلوكية.
والسمة الثانية في النكتة المواتية، التي غدت من الخصائص التي يتميز بها النمط المصري. والسمة الثالثة هي المبالغة في تأكيد الذات، والميل الملح إلى إظهار القدرة الفائقة والتحكم في الأمور. والسمة الرابعة هي سيادة نظرية "رومانتيكية" للمساواة، حيث يشعر المصري في قراره نفسه بالنقمة والسخط على الأوضاع التي توجد التمايز والتفرقة أياً كان نوعها، ومهما تكن دوافعها ومبرراتها. ويتصل بهذا عدم الاعتراف بالسلطة أو الرئاسة والتنكر لها في أعماق الشعور. ويقرر "حامد عمارٍ" أنه من بين أهم المعدات النفسية التي تتزود بها شخصية الفهلوي هي عملية "الإزاحة والإسقاط، ويفضل إزاحة المسؤولية على غيره من الناس أو إسقاط على أمور خارج نطاق الذات ليتيسر تبرير ما قد يقع فيه المرء من مواقف محرجة، أو تقصير في المسؤوليات الاجتماعية. وتزداد الفهلوة بازدياد القدرة على إحكام هذه العمليات الإزاحية والإسقاطية. والسمة الخامسة هي الطمأنينة إلى العمل الفردي، وإيثاره على العمل الجماعي. والسمة السادسة هي سيادة الرغبة في الوصول إلى الهدف بأقصر الطرق وأسرعها وعدم الاعتراف بالمسالك الطبيعية.
وقد تجلت السمات السلبية للشخصية الفهلوية في تأكيد قادة الجيش في هذا الوقت لعبدالناصر أنهم جاهزون لمواجهة إسرائيل عسكرياً مع أن الواقع الفعلي كان غير ذلك على طول الخط.
كيف استطاع المصريون الانتقال من نمط الشخصية الفهلوية إلى نمط الشخصية الإيجابية التي حققت نصر أكتوبر 1973؟ نجيب على ذلك في مقال قادم.