هناك حقيقتان راسختان في تغير المناخ؛ الأولى هي أن الغلاف الجوي ومحيطات كوكبنا ترتفع درجة حرارتها، والعواقب الكارثية لهذا الواقع تختمر بالفعل في البيئة، لذلك فإن معظم «نيو اورليانز» ستكون تحت الماء بعد 100 عام من الآن. وإذا استمر «احتلال وول ستريت» كحركة سياسية 100 عام، فسوف يضطر المشاركون فيها إلى رفع لافتاتهم من داخل زوارق. أما الحقيقة الثانية فهي أن الكونجرس الحالي غير قادر على سن التشريعات التي تقلص تسرب الغازات المسببة للاحتباس الحراري إلى الغلاف الجوي. وفي غضون 50 عاماً سننظر إلى الخلف نحو لحظتنا التاريخية هذه ونقارن زعماءنا في الكونجرس المختل وظيفياً برجال اللاهوت في الكنيسة الذين أدانوا جاليليو بالهرطقة لإصراره على أن الأرض ليست مركز الكون. لكن الولايات المتحدة متعطلة سياسيا في الوقت الحالي، وشللها المحلي له أيضاً ما يقابله دولياً من عرقلة الإصلاح على مستوى العالم منذ مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في كيوتو عام 1997. والحقيقة أن كل محاولات تقليص انبعاثات الكربون من خلال اتفاقات دولية ملزمة تعثرت لأن دول العالم النامي، وبالأساس الصين، والهند ترفض -لأسباب مفهومة- منع سكانها من التمتع بمستويات معيشية أعلى كي تلبي مطالب الغرب الذي حقق بالفعل هذه المستويات الأعلى من المعيشة لسكانه من خلال حرق الوقود الأحفوري دون أن يعترض عليه أحد. نحن إذن في لحظة تاريخية حرجة وننتظر كارثة بيئية ترتفع غيومها في الأفق لتتزايد قتامة، وقد نقول يوماً ما وداعاً للدببة القطبية والأنهار الجليدية في جرينلاند، ونحن أيضاً ننتظر أن تتحسن الكيمياء السياسية. وفي المستقبل المنظور يبدو واضحاً أن الأعاصير ونوبات الجفاف والفيضانات سوف تتزايد، والإرادة السياسية لمعالجة المشكلة سوف تتخلف عن معالجة الأزمات التي تحدث. وفي هذا الوضع المتعثر، السؤال الواضح هو: ما الذي يمكن فعله؟ والإجابة المؤلفة من ثلاث كلمات تمثل نوعاً من «قَسم أبقراطي بيئي»: لا تسبب ضرراً. والإجابة المؤلفة من كلمة واحدة: الغابات. والوقود الذي يعبر بنا من الفحم والنفط إلى مصادر الطاقة المتجددة هو الغاز الطبيعي، والتكنولوجيا التي تنتقل بنا من الوضع الحالي لكثرة الانبعاثات إلى تقليصها هي الشجرة، أكثر أوعية امتصاص الكربون كفاءةً في الطبيعة. وفي اجتماعات القمة المقبلة للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ في «ليما»، في ديسمبر المقبل، وفي باريس عام 2015، نقترح جعل الحفاظ على الغابات هدفاً عالمياً يعظم الفوائد إلى أقصى حد ويقلل التضحيات إلى أدنى حد. وقد بدأت المحادثات التي تمهد الطريق لهذه المفاوضات في قمة الأمم المتحدة للمناخ يوم أمس الثلاثاء في نيويورك. وإليكم الأرقام: لقد ورثنا كوكباً به ستة مليارات هكتار من الغابات، بقيت منها الآن أربعة مليارات. وإذا استمر المعدل الحالي لتقلص الغابات، أي ضياع 19 مليون هكتار من الغابات سنوياً وهي مساحة باتساع ولاية واشنطن، نكون قد دمرنا ما يزيد على أكثر من نصف غابات الأرض خلال قرن. وهذا الدمار له تأثير كبير. فكل عام تتسرب إلى الغلاف الجوي خمسة مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون، منها ما يتراوح بين 10 و15 في المئة ناتج عن قطع الغابات ونحو نفس النسبة تنبعث من التلوث الناتج عن السيارات والقطارات والسفن والطائرات. لكن لدينا أنباء سارة. فعندما تُقطع شجرة، فإنها تطلق الكربون في الغلاف الجوي، لكن عندما يسمح لها بالنمو تظل تمتص الكربون. والتأثير البيئي للمحافظة على الغابات يصيب عصفورين بحجر. فكلما قطعنا أشجاراً عقّدنا مشكلتنا، لكن على العكس كلما نمت هذه الغابات زادت احتمالات قدرتنا على التعافي. وإذا أوقفنا قطع الغابات غداً ستمتص القوة الإجمالية للغابات ثلث ما نتسبب فيه من انبعاثات الكربون الناتجة عن النشاط البشري. وتمثل الغابات حائط صد يسمح لنا بتقليص الضرر وحماية أنفسنا، حتى يحين الوقت الذي نكون فيه مستعدين لفطم أنفسنا عن استهلاك الوقود الأحفوري. والغابات الاستوائية في آسيا وحوض الأمازون والكونغو هي أكثر البقاع كفاءة في امتصاص الكربون على الأرض، وهي أيضاً المناطق التي يحتدم الصراع حولها بشأن قطع الغابات. إنها تمثل أفضل فرصة للكوكب ليتفادى الانتحار البيئي. ويتعين أن يتصدر الحفاظ على الغابات قائمة الأولويات في قمة ليما، وعلى الولايات المتحدة والدول الغنية الأخرى أن تتكفل بدفع النفقات. ما نقترحه ليس حلا للتحدي العالمي الذي يفرضه تغير المناخ، بل استراتيجية ذات جدوى لتقليص الدمار إلى حين استعدادنا سياسياً لاتخاذ إجراءات أكثر جرأة، ونستغل من خلال هذه الاستراتيجية إلى أقصى حد آلية دفاع موجودة أصلا في الكوكب. وهذا يجعلنا نكسب الوقت ويسمح لأطفالنا وأحفادنا بابتكار حلا أكثر ملاءمة لأزمة المناخ. وإذا أوفينا بمعنى «المحافظين على البيئة» وأنقذنا الغابات، وخاصة في المناطق الاستوائية، سيكون بمقدورنا الادعاء بأننا سلمنا الشعلة في سباق لم نخسره بعد. وهذا الإنجاز هو أفضل ما يمكننا تركه لمن بعدنا. -------- جوزيف إليس مؤرخ فائز بجائزة بوليتزر ومدرس في جامعة وليامز كوليدج بيتر إليس باحث متخصص في علم الغابات البيئي -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»