يوم الثلاثاء الماضي، وفي مؤتمر لحزب «المحافظين» البريطاني الحاكم، تحدثت وزيرة الداخلية البريطانية تيريزا ماي عن منع اضطهاد الشبان أصحاب البشرة الداكنة على أيدي الشرطة. وتكتسب كلمة ماي التي ألقتها في برمنجهام بوسط إنجلترا أهميتها من أنها تمثل أحدث حلقة في معركة بدأتها السياسية البريطانية قبل 12 عاما لتطوير حزبها، مما يدعم مكانتها في مسعى محتمل لخلافة رئيس الوزراء الحالي ديفيد كاميرون في قيادة الحزب. فإذا عدنا إلى عام 2002، نجد أن «ماي» واجهت وابلاً من الانتقادات حين قالت إن على حزب «المحافظين» الذي تزعمته مارجريت تاتشر لمدة 15 عاماً أن يطور نفسه ويغير صورة «الحزب البغيض»، التي يراها الناس فيه. ولقيت أحدث دعواتها إلى اتباع منهج شامل ومتسامح في الشرطة تصفيقاً حاراً. وأكدت «ماي» أنها عازمة على التأكد من أنه لن يجري توقيف أي شخص وتفتيشه بسبب لون البشرة... تخيلوا الإحساس الداخلي أن هذا لا يحدث إلا لأنك شاب أو رجل أسود. وعزز الأداء الجيد لـ«ماي» في المؤتمر من مصداقية اقتراح لكاميرون في مقابلة تلفزيونية في وقت سابق ومفاده أنها خليفة محتملة إلى جانب رئيس بلدية لندن «بوريس جونسون» ووزير الخزانة «جورج أوزبورن»، وتوقعت دار «وليام هيل» للنشر أن تكون «ماي» في المرتبة الثانية بعد «جونسون» ويليها أوزبورن كخليفة محتمل لكاميرون. وفي مقابلة عبر الهاتف، قال «وين جرانت» أستاذ العلوم السياسية في جامعة «ورويك» إن «انتخاب امرأة مرة أخرى في القيادة يعيد إلى الأذهان مارجريت تاتشر وهي فكرة لها جاذبيتها.. ماي تقدم صيغة معقولة للقيادة، وتمثل قيادة قوية تتواءم مع القيم الأساسية للمحافظين وليست عرضة للتقلبات مثل بوريس جونسون». وولدت «ماي» التي تبلغ من العمر 58 عاماً في ايستبورن على الساحل الجنوبي لإنجلترا وهي ابنة لرجل دين ومتزوجة لكن ليس لديها أطفال.ولم تهتم كثيراً بوسائل الإعلام كما فعل بعض زملائها وأيدت بشدة السياسة المالية لأوزبورن في تقليص العجز في الموازنة، وخفض الضرائب على الأنشطة الاقتصادية وإصلاح نظام المعاشات. ودخلت في نقاش مع المتشككين في نظام «اليورو» في حزبها يوم الثلاثاء الماضي،. وهاجمت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ودعمت خطة كاميرون لإصلاح الاتحاد الأوروبي والعودة إلى التفاوض، بشأن بنود عضوية بريطانيا في التكتل المؤلف من 28 دولة على أن يتبع ذلك استفتاء على البقاء في التكتل أو الخروج منه عام 2017. وصعود «ماي» ملحوظ بشكل خاص، لأنها حققته رغم كونها وزيراً للداخلية منذ مايو 2010، وهو المنصب الذي يمثل عادة مقبرة للسياسيين. وشغلت «ماي» المنصب لأطول فترة منذ «راب بتلر»، الذي تولى المنصب بين عامي 1957 و1962. وأعلن توني بلير أمام حزبه عام 2002 قائلاً: «لا أقوم بأصعب عمل في الحكومة»، بل يفعل ذلك وزير الداخلية. وعندما عُين «جون ريد» في المنصب بعد ذلك بأربع سنوات أشار إلى أن الوزارة «غير ملائمة للغرض» وكان ذلك آخر منصب لـ«ريد» في الحكومة. ويعتقد «أندرو راسل»، الذي يقوم بتدريس العلوم السياسية في جامعة مانشستر أن (رحلتها كانت مميزة تماماً. لقد تحولت من الشخص الذي قال لـ«المحافظين» إنه يُنظر إليهم باعتبارهم الحزب البغيض إلى شخصية مهمة للغاية ذات شعبية بين القاعدة العريضة). وتعزز رصيدها باعتبارها إصلاحية صريحة في التعبير عن رأيها بعد كلمة قبل أربعة أشهر أمام اتحاد الشرطة وهو نقابة تمثل الضباط في إنجلترا وويلز. وأكدت أن أسلوب الشرطة يتعين أن يتغير بعد سلسلة من الفضائح. وجادلت «ماي» في ذلك الوقت بأنه «إذا كان هناك من يشك في أن نموذجنا لتعامل الشرطة في خطر أو من يقلل من قيمة الضرر الذي ألحقته الأحداث، وما كشفت عنه في الآونة الأخيرة بالعلاقة بين الجمهور والشرطة أو إذا كان هناك من يشكك في حاجة الشرطة إلى التغيير، فأنا هنا لأقول لكم إنه قد حان الوقت لمواجهة الحقيقة». وفي خلاف مع «مايكل جوف» أحد أقرب الحلفاء السياسيين لكاميرون، أظهرت «ماي» قدرة على التفوق على خصومها وهي مهارة محورية إذا كان لها أن تفوز بقيادة حزب «المحافظين». وصرح «جوف» وقد كان وزيرا للتعليم في ذلك الوقت لصحيفة «تايمز» بأن وزارة ماي فشلت في مكافحة التطرف. وردت «فيونا كاننجهام» مستشارة «ماي» بنشر خطاب من «ماي» إلى «جوف» يطرح أسئلة عن رد فعل وزارته في ذلك الوقت على التهديدات بشأن الإسلاميين المتطرفين الذين تخللوا المدارس في برمنجهام. واعتذر «جوف» واستقالت «كوننجهام». وركزت كلمتها أمام مؤتمر «المحافظين» يوم الثلاثاء على المعركة ضد التطرف في الداخل والخارج، واكتسبت الكلمة المزيد من الزخم لأنها واكبت أول ضربات جوية بريطانية على مواقع «داعش» في العراق. ورأت «ماي» ضرورة ألا «نتحدث كالمغيبين عن الفصل والعزل والطائفية... حكم القانون والديمقراطية والمساواة وحرية التعبير واحترام الأقليات هي القيم التي جعلت بلادنا على ما هي عليه. لا مكان للتطرف هنا». توماس بيني محلل سياسي بريطاني ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»