الحسيني.. عربي شريف
فتح نتنياهو من حيث لا يريد صفحة مشرفة من التاريخ العربي الفلسطيني ممثلة في إحياء مسيرة الحاج أمين الحسيني مفتي القدس وزعيم الكفاح الفلسطيني ضد الاحتلال البريطاني والغزو الصهيوني.
ذلك أن نتنياهو أثناء اشتعال هبة الفلسطينيين ضد سياسة حكومته الخاصة بتقسيم المسجد الأقصى زمانياً، خطب خطبة أمام المؤتمر الصهيوني بالقدس في الأيام العشر الأخيرة من أكتوبر الماضي، قرر فيها أن يستثير مشاعر المستمعين والعالم ضد الهبّة الفلسطينية، فأطلق تصريحاً وصفته صحيفة «يديعوت أحرانوت» بأنه يمثل خطأ فادحاً وسوقياً يثير السخرية من قائله، إنه حقاً وصف صحيح من الصحيفة الإسرائيلية حيث إن قول نتنياهو بأن هتلر لم يكن يريد أن يبيد اليهود، بل كان يريد طردهم فقط وأن الحسيني هو من أقنعه بإبادة الشعب اليهودي، قول لا يمت للحقيقة التاريخية بصلة. لقد أوضحت «يديعوت أحرانوت» مدى تهافت وسخف هذا التصريح من جانب نتنياهو عندما بينت أن هتلر كتب بيده عن خطته لإبادة اليهود عندما كان مسجوناً عام 1923، في حين أن الحسيني لم يصل إلى ألمانيا إلا في نهاية عام 1941 وبداية عام 1942، لقد وجهت الصحيفة اللوم إلى نتنياهو قائلة إن أي طالب أوروبي يدرس تاريخ هتلر والنازية يعلم هذه الحقيقة، وبالتالي كان حرياً بنتنياهو أن يتحرى الحقيقة قبل أن ينطق بهذا الكلام السفيه خاصة أن أباه كان مؤرخاً.
إن تصريح نتنياهو لقي قبولاً وترحيباً بالطبع في دوائر المتطرفين الصهاينة الذين يبحثون عن ذرائع لتبرير جرائمهم وإلقاء التهم الجزافية على الشعب الفلسطيني وقياداته التاريخية.
أما بالنسبة لي كباحث عربي فقد وجدت في تصريح نتنياهو باعثاً لي للعودة إلى التنقيب في سيرة الحاج أمين الحسيني وإبراز كفاحه السياسي والعسكري المبكر عندما كانت الجهود الصهيونية لاحتلال فلسطين في بدايتها، لقد تعلّم أمين الحسيني في كلية الفريد بالقدس وأتقن الفرنسية ثم التحق بالجامع الأزهر في السنوات الأولى من العقد الثاني من القرن العشرين، وفي عام 1915 التحق بالكلية العسكرية في إسطنبول، وتخرج فيها وخدم بالجيش العثماني، بعد أن احتلت بريطانيا فلسطين عاد إليها ونادى بضرورة محاربة الاحتلال البريطاني، ورفض وعد بلفور بإقامة وطن يهودي في فلسطين، كون الرجل أول مؤسسة لهذا الغرض تحت اسم النادي العربي الذي قاد الحركة الوطنية وحرك مظاهرات كبرى في المدن الفلسطينية في عامي 1918 و1919، وتعرض للاعتقال من جانب السلطات البريطانية لتزعمه المظاهرات ضد الاحتلال والمشروع الصهيوني، ثم قبض عليه مرة ثانية أثناء ثورة عام 1920، غير أن بعض الشباب العربي قاموا بتحريره فهرب عبر البحر الميت إلى كركوك ومن هناك توجه إلى دمشق التي كان فيصل بن الحسين ملكاً عليها، وأصدرت السلطات البريطانية حكماً غيابياً عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عاماً، غير أن الجماهير الفلسطينية قامت بمظاهرات تطالب بالعفو عنه عام 1920 فعاد إلى القدس، واحتل منصب المفتي فيها عام 1921 بالانتخاب بعد أن توفي مفتيها وهو شقيقه الأكبر.
لقد قاد الحسيني الذي اكتسب لقب الحاج بسبب حجه مع أسرته أثناء دراسته بالأزهر، الكفاح الفلسطيني باقتدار وحرك اهتمام القادة العرب بالقضية، حيث دعا إلى أول مؤتمر قمة عربي حضره الزعماء العرب، السياسيون والدينيون، بالقدس عام 1931. لقد استمر كفاح الرجل الذي أعتقد أنه يستحق أن نعود إليه، حتى هرب إلى ألمانيا عام 1942، وهو ما يكشف كذب نتنياهو.