تستدعي الفيلسوفة والمحللة النفسانية الفرنسية ألسا غودار في عنوان كتابها الصادر مؤخراً: « أنا أُسَلْفي (أعمل سيلفي).. إذن أنا موجود»، ضمناً المقولة الشهيرة «أنا أفكر، إذن أنا موجود» عند فيلسوف عصر النهضة الفرنسي رينيه ديكارت، وهي ما يعرف عادة في الفلسفة بمفهوم «الكوجيتو»، الذي يتم من خلاله الاستدلال على وجود الذات أولاً، ومنها على وجود العالم الخارجي فيما بعد. غير أن موضوع الوعي والاستدلال على الذات والعالم ليس هو موضوع كتاب «غودار» إن قُصدت به الجوانب الفلسفية، وإنما تقارب بالأحرى جوانب لافلسفية، وكوجيتو مضاداً، من نوع جديد، هو ما بات يسمى «السيلفي»، أي الصور التي يأخذها بعض الناس لأنفسهم بهواتفهم المحمولة أو كاميراتهم، بوصفها نوعاً من الوعي الزائف بالذات، ودوراناً منها حول نفسها، ولعل هذا هو ما يعبر عنه العنوان الفرعي -وربما الحقيقي- للكتاب: «تحولات الأنا في العصر الافتراضي»، وذلك لسيولة وتعقيد أبعاد وخلفيات هذه الظاهرة التي تحولت لدى البعض إلى نوع من الهوس، القابل للتوصيف والتصنيف ضمن قائمة الأعراض، إن لم تكن الأمراض، النفسية، والسلوكية. وهي أعراض تفاقمها، بطبيعة الحال، إمكانات الانتشار اللامحدود في العالم الافتراضي والعصر الرقمي، إن تم تسخير كل ذلك لترسيخ هذا التمركز النرجسي حول الذات، ودورانها حول نفسها. وفي توصيفها لظاهرة «السليفي» تستعير الكاتبة أيضاً من عالم النفس التحليلي الفرنسي جاك لاكان مفهوم «طور المرآة»، وهو المرحلة من العمر لدى الطفل التي يبدأ فيها يعي نفسه ووجوده من خلال رؤية صورته منعكسة في المرآة، وهذا في الواقع هو حال أصحاب هوس «السيلفي» الذين يمثلون في النهاية تعبيراً عن أزمة وعي بالهوية في زمننا الراهن، وهي موضة تستحق من وجهة نظر الكاتبة أن تحمل على محمل الجد، وتولى قدراً غير يسير من جهود التفكيك والتحليل النفسي ومحاولات الفهم والتفسير. ولعل أول ذلك يكون في البحث عن الأسباب التي تدفع بعض الأشخاص لتوخي تأكيد وجودهم، والوعي بهذا الوجود، وجعل الآخرين يشعرون به، من خلال الإدمان على إنجاز صور شخصية لهم، بمختلف مظاهر ومواقع ومواقف الحياة اليومية، وذلك توهماً منهم بأن هذه هي الطريقة الملائمة لفرض أنفسهم وسط مجتمع يعاني من فرط المشهدية، وغارق في فضاء سديمي من الصور والأوهام السمعية البصرية. وبين دفتي كتابها الواقع في 224 صفحة تدعو غودار إلى عدم التعامل بسذاجة وبساطة مع ظاهرة هوس «السلفي» هذه، أو اعتبارها أمراً عادياً وتعبيراً عفوياً عن رغبة ساذجة في تسجيل مشاهد من الذات أو القبض على لحظات من الزمن الهارب من نفسه، وذلك لأن «السيلفي» تحمل بالفعل وتحتمل من المعاني ما يؤشر إلى أن «هذه الظاهرة الجديدة تعكس خلف واجهتها العادية نوعاً دفيناً من الرغبة في اختراق أسرار الأنا، والوعي بالهوية التي أصبحت كلغز لا يسبر غوره، وماهية بعيدة المنال، بحكم ما هي عليه من تغير مستمر، لا يني ولا ينقطع»! فمن خلال «السيلفي» يعي الفرد -والمجتمع- اليوم حجم انكسارات وأسئلة هويته، بحسب تعبير الكاتبة، وهي تتبع أعراض هذه «الأنا الرقمية» الجديدة، التي يحل فيها الانفعال بدل العقل، والبرّانية بدل الجوّانية، والشكل على حساب المضمون، معبرة في غمرات توصيفها عن قلق عميق من ضياع عمق الروابط الإنسانية الحقيقية، وما يترتب عليها عادة من التزام وتعاون وتضامن، ولذلك فهي تدعو إلى ما تسميه «النفَس الأخلاقي»، الذي تتمثل كلمة السر فيه أساساً في الحذر من الغرق وسط الدفق المتواصل من الصور الاستعراضية أو المشهدية للذات، أو الانكفاء عليها، أو الوقوع في فخاخ الثقافة الضحلة الخرساء التي قد تنشأ عن حلول الصورة بدل الكلمة أو الفكرة، وكل هذا وارد فيما ما تسميه الكاتبة «طور السيلفي» على شاكلة «طور المرآة»، حيث ينكب بعض الناس على هواتفهم المحمولة لالتقاط صور لهم بكيفية تذكر بما وقع لـ«نرسيس» في الأسطورة اليونانية القديمة، حيث أدى به الإفراط في تمعن صوره المنعكسة على مياه البحيرة، إلى الوقوع في حب نفسه، وهو ذات العرض الذي يعاني منه كثير من النرجسيين اليوم، وفي كل الأزمنة والأمكنة، حين يسعون للفت الانتباه إلى أنفسهم بألف شكل ولون، وكأن الواحد منهم هو مركز الكون، وهذا ما يترتب عليه في كثير من الأحيان إفراط في تقدير الذات، أو زيف في مستوى الوعي بها، وكلا الأمرين غير ملائمين بالمعايير الأخلاقية والسلوكية معاً. حسن ولد المختار الكتاب: أنا أعمل «سيلفي»، إذن أنا موجود المؤلفة: ألسا غودار الناشر: ألبين ميشل تاريخ النشر: 2016