يتحدث البعض عن العالم الروحي وكأنه سر من الأسرار الغامضة، والظن السائد لدى عامة الناس أن الدخول إلى عالم الروح مقصور على أولئك الذين يملكون قدرات غير عادية مثل التخاطر عن بعد والاستبصار وقراءة المستقبل وغيره. والصورة الشائعة المغلوطة لهذا العالم أنه مليء بالجن والأشباح والسحر والشعوذة. وساعد في خلق هذا التصور القصص الخرافية القديمة، ثم جاءت السينما وقدمت عالم الأرواح بطريقة مخيفة، حيث الأشباح غير المرئية تسبح من حولنا وتهاجمنا. وهذا خطأ فادح وكبير. ذلك لأن العالم الروحي هو قريب منا جدا ونحن نتعامل معه يوميا من غير أن ندرك أبعاده. والعالم الروحي الذي نقصده هنا هو فضاء جميل مشحون بالطاقة النظيفة وبالنور وبالمحبة. إنه عالم واسع تتعامل فيه أرواحنا الحية مع جميع الأشياء من حولنا وفقا لمبادئ الروح، ومنها المحبة وحب الخير للآخرين والغفران والانحياز إلى النية الطيبة. لا يعقل أن نهتم بأجسادنا ونعالجها، وننسى أرواحنا التي تحتاج إلى عناية ومران دائمين لكي ترتقي أرواحنا إلى منازل عليا وتتهذب بعدها النفس وتسمو. هناك طرق كثيرة خبرها الحكماء والمتنورون للارتقاء الروحي كلها تخدم فكرة رفع مستوى الوعي لدينا إلى مرتبة المحبة التي هي النور الصافي العظيم. وبالمحبة وحدها يمكن تجاوز جبال عظيمة من الطاقات والأفكار السلبية التي تعلق بنا وتجرّنا إلى الرماد والقاع. بنور المحبة الخالصة نتطهّر من رواسب الشرّ مهما صغرت، وبعدها، حين يحل في قلبنا الأمان وتسكنه السكينة، سنرى الجمال والنور من حولنا، وسنعرف منابعه الحقيقية التي لا تنضب. هذا هو الارتقاء الحقيقي الذي ننشده. عندما نصل إلى القدرة على الولوج إلى عالم النور، فإن كل الحقائق الجميلة للكون سوف تتكشف لنا وكل الشكوك ستزول. وبدلا من اليأس يحل الأمل في القلوب ويظل ينبض ولا يموت. وبدلا من الخوف يحل الاطمئنان. وبدلا من الظلام سوف تشرق في عقولنا أفكار النور الواضحة مثل الشمس. هذه الأفكار التي تبدو عامة ومجردة ستصبح سلوكا يوميا ينعكس في نواحي حياتنا وحركتنا اليومية ومستوى تعاملنا مع الوجود والطبيعة والناس. سلوك عالي من المحبة والجمال سنراه يظهر في كلامنا وأفعالنا وأسلوب تفكيرنا. وبالتدريج سوف تنجذب إلينا الأفكار البيضاء وتغادر لساننا الكلمات الحاقدة إلى غير رجعة. الشاعر الذي ينحاز إلى النور سوف تظل حروفه تشعّ في عتمة الجهل وتنير الطريق إلى العابرين في منحنى السؤال. كل سطر يخطه على جبين الدهر يتحول إلى طريق ومسلك. ومع كل سطر يمحوه، يقشع من الدروب شوكة التردد التي تدمي الخائفين كلما تقدموا خطوة في طريق البحث عن الحرية والخلاص. والعالم الروحي هو انتباه لما يعتمل في الدواخل، إدراك عميق للتناقضات الظاهرة وتنافرها على السطح، وما يغايرها في العمق من تجاذب تنتفي فيه الفروق. وحين ننتبه إلى الفكرة كيف تنبع من أعماقنا، ونعرف مصدرها هل هي من النور في دواخلنا أم من الخوف، فإننا نكون قد لمسنا حافة الارتقاء نحو إدراك أعلى لمعنى وجودنا. عادل خزام | akhozam@yahoo.com