الإنسان بين الأم والتبني
أنا الآن في مدينة الحضارة الأوروبية، باريس، فرنسا بتاريخها العريق كما يقول المغتربون فيها واليها· أولئك الذين غادروا أوطانا لم تستوطنهم، لم يجدوا فيها غير الغربة بأوصافها ومسمياتها، بقسوتها ونفيها لحضورهم فيها، لم تمنحهم أفقاً حرا ليحلموا، ليتوقوا، ليطمحوا، ليتجددوا، ليطوروا ذواتهم وأوطانهم· فحلقوا بأجنحة الحلم وخطوات الصعب إلى أوطان قد تحتضنهم كما تحتضن الأم نسل أم غيرها·
الوطن الأم، صفة مجازية لا تنطبق ولا تصف ولا ترتقي ولا تتماهى مع الوطن الذي ولدنا فيه وربما ولدت فيه أمهاتنا وآباؤنا وربما جدودنا· لا تنطبق صيغة او دلالة على الوطن الذي كان فيه مسقط رأسنا كما تصف البلاغة من ولد في جغرافية ما· أبدا لا تنطبق ولا تتماهى مع حنان الأم وعطائها المطلق· فالأمومة لا تحدها حدود جغرافية ولا سياسية ولا حضارية ولا تفنيد ثقافي أو وثيقة تدل على هوية عرق أو بلد أو قومية أو دين· لذا ما زلت أتساءل عن جذر هذا التشبيه وأسبابه·
الأم لا تنفي ولا تضطهد ولا تجوّع ولا تفقر ولا تشرد· فلماذا يوصف الوطن الذي ولدنا فيه بأنه (الوطن الأم )؟ ألأن الأم جذر كل مبتدأ وبذرة كل تكوين؟
في شوارع باريس، في منحنياتها، في دكاكينها التجارية، في أسواقها، وفي مؤسساتها، مقاهيها، و''مترواتها'' وفي باصاته ا وفي منافعها أو منافيها، آلاف وآلاف من جنسيات العالم وجغرافياتها وأوطانها وقومياتها وأعراقها، وحضاراتها ولغاتها·· كل هذه الآلاف عليها ان تتحدث الفرنسية ضرورة وقسرا· فلا يمكنك كوافد او لاجئ، او مهاجر أن تتكلم لغتك (الأم) ولا حتى لغة مستعارة من حضارة أخرى· فلا احد سيفهمك، وربما سيسخر منك أو يتجاهلك أو يصمك بالجهل والتخلف· اللغة الفرنسية سيدة التعبير اليومي لتعلن حضورك وتؤكد وجودك الحي على هذه الجغرافيا التي اسمها فرنسا·
لغتك الأم لا توصل بينك وبين الآخرين في هذه الجغرافيا· لغة الأم، لغة ثانوية منقرضة متخلفة قياسا إلى الحضارة الفرنسية· التي تؤكد ذاتها بتعبير (الفرانكفونية)·
وحين تتقن اللغة في هذا البلد فإنك قد انفصلت وارتقيت على لغتك (الأم) تماما كما تكون حين أنت هنا قد ارتقيت على وطنك الأم!
إذا لم تكن زائرا عابرا لسبب ما، وجئت كي تستوطن او تستبدل وطنك بوطن الآخرين فإن وطنك الذي جئت منه حتما هو وطن متخلف حضاريا· وحضاريا هذه لها دلالات كثيرة: تخلف تكنولوجي، علمي ثقافي، إنساني، سياسي، اقتصادي···الخ· تعني انك لم تستطع ان تكون ذاتك· تعني انك لم تكن حرا في سلوكك، في معتقدك، في التعبير عن رأيك، في اختيار الطريق الذي تدرك انه طريقك· تعني انك لم تسير حياتك وفق طموحك، لم ترتق، لم تتطور· تعني انك عشت وبقيت رهن إرادة الجموع· الذي سميَ المجتمع رغم انك كفرد لا تعرف حتى عدد أولئك الذين تعتقد أنهم يحصون عليك خطواتك وأنفاسك· يفرضون عليك شروطهم في منزلك وذوقك وانتقاءاتك ومسارات حياتك·
هكذا إذن ستسير في شوارع باريس كأنك يتيم تبنته أم بديلة، ستحتضنك وتمنحك ما حرمتك منه الأم الأولى!!
aisha.bilkhair@hct.ac.ae